السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
•توفيت أم المأمون بعد ولادته بأيام متأثرة بحمى النفاس عام 786م ، و هي جارية فارسيه تدعى مراجل رحمها الله.
•علية هي العباسة و ليستا أختين، فالعباسة هي علية بنت المهدي بن المنصور.
لقد تفاجأت أيضاً عند معرفتي تلك المعلومات ، و ما هذا إلا دليل بسيط على مدى تشويه المسلسل للتاريخ. صُعقت عند متابعتي لمسلسل(أبناء الرشيد الأمين و المأمون) لما إحتواه من مفاجأت ما طقت صبراً حتى بدأت في البحث و القراءة بنفسي، و كم كانت دهشتي حين إكتشفت التشويه الذي يتعرض له التاريخ الإسلامي أمامنا...
لقد كان إخراج المسلسل رائعاً ، و ذو إنتاج عالي .. و لكن بتشويه للتاريخ بشكل يكاد يمس كل عناصر تلك الفترة ، و السؤال لمصلحة من ؟ من المؤكد ليس لمصلحة المسلمين خصوصاً الأجيال القادمة..
و فاجأني أيضا وجود بعض الأصوات القائلة : و ما أدراكم أن الخلفاء العباسيين لم يكونوا كذلك بل كانوا وكانوا.... و الجواب بسيط جداً، إقرأوا مقدمة إبن خلدون أولاً لتتعلموا كيفية الحكم بتصديق من تكذيب منْ من المؤرخين، ثم إقرأو للمؤرخين الثقات. و قد حاولت التحيز عند البحث و الحكم بالعقل و الإعتماد على مصادر موثوقة مما أخذ وقتاً أكثر مما توقعت ، و لم أعتمد لا على أهوائي أو أهواء غيري..
أعتذر عن الإطالة و سأبدا بجرد النقاط و لكم الحكم على المسلسل :
•لعل هاون الرشيد رحمه الله من أكثر من حاول بعض المؤرخين تشويه ذكره و صورته ، لأسباب كثيرة نذكر بعضها لاحقا، إلا أنه لا ينكر أحد (حتى هؤلاء المؤرخين) أن الدولة الإسلامية كانت عصرا ذهبيا في خلافته. و قد أشتهر لثلاثة أسباب إجمالا لأعماله المدنية ، أعماله الحربية و لتدينه.
فهارون الرشيد هو الذي حارب الروم تقريبا كل عام ، واضطرت دولة الروم أمام ضربات الرشيد المتلاحقة إلى طلب الهدنة والمصالحة، فعقدت إيريني ملكة الروم صلحًا مع الرشيد، مقابل دفع الجزية السنوية له في سنة 181هـ، و بعد مجيء الملك نقفور بعدها و نقضه العهد كانت القصة الشهيرة لرد هارون "من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام"، و من ثم إنتصار المسلمين.
أما مدنياً فقد إزدهرت بغداد في عهده إزدهارا عظيما حتى بلغ عدد سكانها المليون، وأصبحت بغداد من اتساعها كأنها مدن متلاصقة، وصارت أكبر مركز للتجارة في الشرق، حيث كانت تأتيها البضائع من كل مكان. و هو من أنشا بيت الحكمة ببغداد. و قد ذاع صيت الرشيد وطبق الآفاق ذكره، وأرسلت بلاد الهند والصين وأوروبا رسلها إلى بلاطه تخطب وده، وتطلب صداقته.
كان الرشيد دينا محافظًا على تكاليف الاسلام، يحج عاما و يغزو عاما،وصف بأنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، وينفق على الفقراء من ماله الخاص، ولا يتخلف عن الحج إلا إذا كان مشغولاً بالغزو والجهاد، وكان إذا حج صحبه الفقهاء والمحدثون.
إلا أن المسلسل حاول إلصاق العديد من التهم على الخليفة هارون كما حاول العديد من قبلهم(من خرافات ألف ليلة و ليلة وصولاً إلى جرجي زيدان) ، و لعل العقل وحده كاف بأن يثبت أن الدولة في زمن هارون الرشيد ما كانت لتكون ذهبية لو كان نصف ما قيل عن فجوره و غيره صحيحاً (فما بالك بالعديد من المؤرخين الثقات أمثال إبن خلدون و غيرهم ممن ثبتوا و أثبتوا تدين وورع هارون الرشيد و حسن أخلاقه؟) و أنظروا لقول بعض معاصريه:
قال أبو معاوية الضرير ما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي ورويت له حديثه "وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيى ثم أقتل" فبكى حتى انتحب.
قال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر
وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله.
رحم الله هارون الرشيد، يكفيه شرفًا أنه ما مات حيث مات إلا وهو خارج إلى الرى فى موكب الجهاد لنشر الدين وحماية أرض الإسلام، فرحمة الله عليه و على سائر المسلمين.
•أما نكبة البرامكة (أعتذر عن الإطالة فيها) و التي صورها المسلسل كلحظة غضب من هارون و صور جعفر بصورة الملاك .. كان اَل برمك هم أصحاب الترف الشديد حتى قال البعض (أنهم مجوس إلا أني لم أجد دليلا يثب صحته). عندما إستلم هارون الرشيد مقاليد الحكم كان البرامكة ذوو نفوذ قوي جداً في الدولة يضاهي إذا لم يكن أكثر من نفوذ الخليفة نفسه ، و كانوا يبنون القصور و يضعون بلاط الذهب و الفضة على حائطهم، و بنى جعفر قصرا كلفه 20 مليون دينارا (و كان صاحب أنس بن أبي الشيخ و هو زنديق) ، و لم يمر الرشيد على قصر أو قرية أثناء سفره إلا قيل له هذا لجعفر.
و كانوا ذوو سرف عظيم مما جعل الرشيد يكتشف وجود خلل كبير في مصاريف الدولة، و يقال أن الفضل بن الربيع (وكان مواليا للعباسيين و أكاد أجزم أنه لم يكون بصورته في المسلسل) لعب دورا في إظهار عيوب البرامكة و وضع الأعين عليهم. و هذه هي الأسباب الغير مباشرة ، أما السبببين المباشرين لنكبة البرامكة فهما:
1- حادثة يحيى بن عبد الله الطالبي: الذي خرج إلى بلاد الديلم ودعا لنفسه هناك(على أن يكون هو الخليفة هناك لا هارون) وبايعه كثير من الناس، وقويت شوكته، وذلك سنة 176 هـ، فأرسل إليه الرشيد الفضل بن يحيى، واستطاع الفضل أن يستنزل يحيى بالسلام على أمان له عند الرشيد، وذلك من غير أن تراق نقطة دم، وعد ذلك من أفضل أعمال الفضل، وبعد فترة ظهر من يحيى ما أوجب عند الرشيد نقض الأمان، فأمر بحبسه عند جعفر بن يحيى، وفي ذات ليلة اجتمع يحيى مع جعفر، وما زال به حتى أطلقه جعفر وزوده بالمال اللازم لخروجه من بغداد، بدون مراجعة الخليفة ملغيا أمر هارون على علمه بتاريخ يحيى مع العباسيين فوصل الخبر للرشيد، وكان ذلك يعد خيانة عظمى عند العباسيين لما كان للطالبيين من مطالبة بالخلافة بدلا من العباسيين. إلا أن هارون لم يبدي أي تصرف وقتها بل كتمها (لاحظ مدى قوة اليرامكة في ذلك الوقت)
2- جيش البرامكة: ولعل هذا السبب هو الأوضح والأقوى مع حادثة يحيى الطالبي، وهذا جيش كونه الفضل بن يحيى من جند خراسان (وتلك البلاد معروفة تاريخيًا بولائها للعباسيين، ولكن ميلهم أكثر للطالبيين وآل البيت)، وتعداده خمسين ألفًا جعل ولاءه له مباشرة دون غيره، ثم استقدم منهم عشرين ألفًا لبغداد وسماهم "الكرنبية" مما حرك هواجس الرشيد.
غير أنه لم يتحرك حتى جاءه خبر من والي خراسان علي بن عيسى بن ماهان أن السبب في اضطراب خراسان هو موسى بن يحيى من بغداد، فتحقق الظن عند الرشيد، واجتمعت عنده كل ما سبق من الأسباب، وعندها قرر الرشيد عند رجوعه من الحج، وفي آخر ليلة من المحرم سنة 187 هـ بالإيقاع بالبرامكة، فأمر بقتل جعفر وصلبه على جسر بغداد، وحبس باقي البرامكة في السجون، والاستيلاء على أموالهم وقصورهم وكل ما لديهم
** لاحظو من كان يعتبر أعداء البرامكة في ذلك الوقت (الأمين و زبيدة ، الفضل بن الربيع، عيسى بن مهان و هارون الرشيد لاحقا) و كلهم أسييء ذكرهم و شوهت صورتهم في المسلسل.
و بعد نكبة البرامكة قام مؤيديهم في خرسان و غيرها بإثارة الإشاعات إنتقاما من هارون الرشيد ، فصوروا وجود علاقة بين جعفر و العباسة و هم أول من طعن في هارون الرشيد رحمه الله فصوروه بالفاجر صاحب الخمر و النساء و من ثم إعتمد بعض المؤرخين و المستشرقين ذلك و بالطبع إعتمد المسلسل عليهم كل الإعتماد فصور جعفر ملاكا و كل من عاداهم شياطين زناديق ... و لا حول و لا قوة إلا بالله.
•أما الخليفة محمد الأمين رحمه الله، فقد كان ضحية ثالث أكبر فتنة ألمت بالمسلمين. و قد صوره المسلسل بشخص شاذ ، أرعن ، بدون شخصية ، مخمورا لا يفيق... و يبدو أن المؤلف (نسي) حقيقة كون الأمين فصيح السان ، محبا للأدب ، شجاعا و قويا جدا حتى قيل أنه قتل أسدا بيده ، و جميل الصورة. و كان يبجل والدته تبجيلاً عظيماً.
وعُرف الأمين منذ حداثة سنه بتوقد الذهن وفصاحة اللسان، وخفة الروح؛ وكان سريع البديهة، حاضر الجواب، ظريف النكتة، حلو التندر، لطيف الدعابة، كما كان سخيا، بل يصفه الكثيرون بأنه كان مسرفًا في السخاء، و حسب الطبري فأنه كان يميل إلى العبث والاستهتار(إلا أن الكثير نفى ذلك بما توجبه الأدلة الإستنتاجية)
(و لكن أن يكون شاذا و العياذ بالله ، طبعا فهذه الرواية ناسبت بعض مؤرخي خرسان في ذلك الوقت و المستشرقين من بعدهم، أو ليس إبن زبيدة؟)
و من المعروف أن الأمين هو من أمر بخروج البرامكة من السجن بعد أن تولى الخلافة.
تمعنوا في مقولته لأمه الزبيدة و جنود المأمون محيطون به : إنه ليس بجزع النساء وهلعهن عقدت التيجان، والخلافة سياسة لاتسعها صدور المراضع وراءك.
*و بالحديث عن زبيدة بنت جعفر رحمها الله ، و إسمها أمة العزيز حفيدة أبو جعفر المنصور و إبنة عم هارون الرشيد صاحبة المال الوافر و الجاه، فهي من أنشأ عين زبيدة في مكة و التي ما تزال قائمة شاهدة على شخصها جالبة الماء من أقصى وادي نعمان شرق مكة، لتريح أهل مكة من تعب الحصول على ماء الشرب قائلة لخازن أموالها : إعمل ولو كلفت ضربة الفأس دينارا.
تمعنوا في وصف إبن بردي(ليس غسان زكريا) لها : أعظم نساء عصرها دينا و أصلا و جمالا و صيانة و معروفا.
لقد كانت زبيدة سيدة جليلة سخية لها فضل في الحضارة و العمران و العطف على الأدباء و الأطباء و الشعراء. لا سيما في المرافق و المنافع و غيرها للطرق بين مكة و بغداد حسب إبن الجبير.
أما حسب مؤلف المسلسل فقد أظهرها تحاول إغراء الفضل إبن الربيع جسديا و العياذ بالله. (لا أظنه) سمع عن وصف بيتها بقفير النحل لمن يدخله بسبب وجود مائة جارية لديها يقرأون القراٌن بإستمرار.
لقد أحبت زبيدة إبنها الأمين حبا جما ، و هي من أقنعت هارون بجعله وليا للعهد . و للعلم فإن الأمين أصغر من المأمون بستة أشهر.
و بالرغم من حبها للأمين ، إلا ان شخصيتها تتضح في مسامحتها للمأمون بعد مقتل الأمين، و قولها للمأمون عند طلبه المسامحة : يا أمير المؤمنين إن لكما يوما تجتمعان فيه و أرجو أن يغفر الله لكما إنشالله . أو تظنون هذا الكلام يخرج من إمرأة غير مؤمنة قُتل ولدها؟ أو تربي مثل هذه المرأة إبنا فاسدا ضالاَ مخمورا؟
* أما الخليفة عبدالله المأمون رحمه الله فلن أطيل بالكلام عنه ، فقد كان يتمتع بالكثير من الصفات الحسنة التي ظهر بعضها بالمسلسل و لعله الأقل تشويها ممن جاء ذكرهم هناك. و للشهادة فإني إزددت إعجاباً به كلما قرأت عنه ، هذا و من المثبت عدم رغبته في قتل الأمين ، و قد عرف بحبه الكبير للعفو فقد أخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال: سمعت المأمون يقول أنا والله ألذ العفو حتى أخاف أن لا أوجر عليه ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب.
و قد شجع المأمون العلم و كل صاحب حجة ، و لكن للأسف أستغلت من قبل بعض اللأطراف فأثيرت فتنة خلق القران الكريم التي لم تخمد إلا بعد 19 سنة. رحم الله المأمون
•أما العباسة أو علية رحمها الله فقد أبدع المسلسل في تشويه سمعتها منتهجاً نهج المؤرخ جرجي زيدان (ذو السمعة السيئة في تداول التاريخ الإسلامي، و هو نصراني).
كانت علية بنت المهدي، من ربات الفضل والأدب والجمال، فهي من أجمل النساء وأطرفهن وأكملهن فضلا ً وعقلا ً وصيانة،
قال الصولي في وصفها: لا أعرف لخلفاء بني العباس بنتاً مثلها، كانت أكثر أيام طهرها مشغولة بالصلاة ودرس القرآن ولزوم المحراب، فإذا لم تصل اشتعلت بلهوها،أي الغناء، وكان أخوها الرشيد يبالغ في إكرامها ويجلسها معه على سريره، وهي تأبى ذلك وتوفيه حقه.
أما علاقتها بجعفر و قصة زواجهما و من ثم إنجابها لولد منه فقد لفقها بعض الناس للتغطية على البرامكة و لتشوية سمعة هارون الرشيد و العباسيين بعد نكبة البرامكة و من ثم إنتهج بعض المؤرخين نهجهم (مثل جرجي زيدان و غيره). فقد تزوجت من رجلان رحمها الله ، كما أن الطبري وابن خلدون و إبن كثير ينفون هذا الزواج نفيا قاطعا بالأدلة النقلية والعقلية المعروفة عن سيرة الخليفة هارون الرشيد
•