بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة ، في قوله تعالى :
(سورة الأنعام)
نقطة دقيقة : كلما قرأت عن نبي لا يعنيك أمره ، ولا قصته ، وكأنك تتوهم أنك مؤمن صغير ، وهو نبي عظيم ، لكن غاب عن ذهنك أن هذا النبي قدوة لك ، وينبغي أن تتبعه ، وتنتفع منه ، ومن أحداث حياته ، لا لأنك نبي ، أنت لست نبياً ، ولكن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، ففرق كبير بين أن تقرأ قصص الأنبياء ، وأنت تشعر أو تتوهم أنها لا تعنيك ، أولاً : عاشوا في أزمنة سحيقة ، وثانياً : هم أنبياء ، يضع الله لك تجاربهم في الدعوة وكمالاتهم وعبوديتهم بين يديك ، فينبغي أن تقتدي بهم :
فلا بد من أن تقفو أثر الأنبياء ، مع أنك مؤمن بسيط جداً ، هذا لا يمنع أن نقول للممرض : يجب أن تعقم هذه الأداة ، يقول لك : أنا طبيب حتى أعقمها !! أنت لست طبيبًا حتى أعقّمتها ، لكن لابد من تعقيمها ، لا يتوهم الممرض أن تعقيم الأدوات قبل العمل الجراحي هذا يفعله الأطباء فقط ، يجب أن يفعله أقل إنسان يعمل في مشفى ، هذه قواسم مشتركة بين الأطباء الكبار والممرضين الصغار ، كذلك منهج الأنبياء ليس لهم ، هو لنا ، ينبغي أن نقتفي أثرهم .
في قوله تعالى :
(سورة إبراهيم)
لو أن الآية : يا نار كوني برداً لمات سيدنا إبراهيم من شدة برد النار ، ولو قال الله عز وجل : يا نار كوني بردًا وسلاماً لن ننتفع بالنار إلى يوم القيامة ، عندئذ النار لا تحرق ، لكن الله قال :
أي على إبراهيم فقط ! أرأيتم إلى دقة القرآن الكريم ؟
(سورة الأنبياء)
لا تقلق لما يريد الطرف الآخر ، يريدون كل شر ، ونية الكافر شر من عمله ، ولكن إذا كنت مع الله كان الله معك ، إنني معكما أسمع وأرى :
(سورة هود)
ومن قوله تعالى :
(سورة الأنبياء)
معنى ذلك أن طاقات الإنسان ليست مفتوحة ، فقد يبدأ الإنسان الإيمان بطاقات محدودة ، لكنه إذا كان مخلصاً فهذه الطاقات المحدودة تفتح ، ويغدو متفوقاً ومتألقاً لا بحسب إمكاناته ، ولكن بحسب توفيق الله له .
بربك ألا يقشعر جلدك إذا قرأت هذه الآية :
(سورة الأنبياء)
ما هذه المناجاة ؟ هذا نبي كريم يناجي ربه ، ألك مع الله مناجاة ، تشكو لله عز وجل بعض همومك ومتاعبك .
(سورة الأنبياء)
آخر نقطة أيها الإخوة : والله الذي لا إله إلا هو لا أشبع من ترداد هذه الآية ، الحياة فيها متاعب وهموم وعقبات وصوارف ، لكل مؤمن كافر يقاتله ، ومنافق يبغضه ، ومؤمن يغار منه ، وشيطان يغريه ، ونفس تغويه ، يوجد نفس أمارة بالسوء ، عدو رقم واحد ، وشيطان يغوي ، عدو ثان ، وأحياناً مؤمن يحسدك ، ومنافق يبغضك ، وكافر يقاتلك ، أنت بين خمسة أعداء ، لكن مهما تكن المصيبة كبيرة جداً فلن ترى نفسك فجأة في ظلمة البحر والليل وبطن الحوت ، هذه مصيبة ، لقمته أربعة طن ، وأنت كلك وزنك مئة كيلو ! لقمة صغيرة ، وجبته أربعة أطنان ، يفتح فمه ، ويمشي ، يجمع أربعة أطنان ، سمك وجبة عصرونية ، أكل إنسانًا من ثمانين كيلو لقمة واحدة ، وجد سيدنا يونس نفسه في بطن الحوت فجأة ، لم يكن وقتها خلوي ، فنادى في الظلمات ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت أن لا إله إلا أنت سبحانك ، لا يوجد غيرك يا الله ، الأمر كله بيدك :
(سورة الأنبياء)
هذه القصة ، القانون :
في كل عصر ، وزمان ، ومكان ، ومصر ، ونظام دولة متخلفة ، أو دولة قمعية ، أو ديموقراطية ، بزمن الرخاء أو الشدة ، أو بالحرب ، أو بالسلم .
قانون ! والله أيها الإخوة : لو لم يوجد في الكتاب إلا هذه الآية لكفت ، هذا قانون ، ليس الأمر متعلق بيونس عليه السلام ، لأن الله عز وجل أنهى القصة ، وأعقبها بقانون ، يجب أن تملأ نفوس المؤمنين بالأمل والتفاؤل ، ولو رأينا الخطر محدق بنا ، والعالم كله يحاربنا ، ولو كان الفرق بيننا وبين الطرف الآخر فرقًا حضاريًا كبيرًا جداً ومع ذلك :
أن تثق بالله ، وتعتمد ، وتتوكل عليه ، هذا هو الإيمان ، وترى أن الله لن يضيعك ، لأن الله شكور ، شكر الله لك أنك إذا خطبت وده خطب ودك ، وإذا خدمت عباده سخر من يخدمك ، وإذا أحسنت إلى خلقه أحسن إليك ، وإذا خطوت نحوه خطوة أتى نحوك خطوات ، وإذا أتيته تمشي فهو يهرول .
إخواننا الكرام : استجابة الله للمؤمن عجيبة ، لمجرد أن تعقد معه الصلح ، وتقول : يا رب تبت إليك يقول : يا عبدي وأنا قد قبلت ، في أية لحظة تقبل على الله : إني والإنس والجن في نبأ عظي ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري ِإلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعر عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي .
إذا قال العبد : يا رب وهو راكع قال الله له : لبيك يا عبدي ، فإذا قال : العبد يا رب وهو ساجد قال الله له : لبيك يا عبدي ، وإذا قال العبد : يا رب وهو عاص قال الله له : لبيك ثم لبيك ثم لبيك .
ورد في بعض الآثار القدسية : " أن يا داوود لو يعلم المعرضون انتظاري لهم وشوقي لترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إلي ، هذه إرادتي بالمعرضين ، فكيف بي بالمقبلين " .
(سورة طه)
فرعون الذي قال : أنا ربكم الأعلى ، وما علمت لكم من إله غيري ، والذي قتل أبناء بني إسرائيل ، واستحيا نسائهم ، فرعون الجبار :
(سورة طه)
ليناً مع فرعون الجبار الطاغية .
رجل كان يناجي ربه قال : يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال : أنا ربكم الأعلى فكيف رحمتك بمن قال : سبحان ربي الأعلى ؟ وإن كانت رحمتك بمن قال : ما علمت لكم من إله غيري فكيف رحمتك بمن قال : لا إله إلا الله ؟ .
إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها ، والسيئة بمثلها ، وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها .