
إلرجاء من الوالدين بعدم التشدد بتخطيط مستقبل اولادهم
في هذه الأيام يعيشون الطلاب والطالبات أجواء مختلفة كلها طموح وتطلعات مشوبة بقلق وحيرة، وتحديدًا الطالبات اللاتي حصلن على نسبة تفوّق تفتح لهنّ أبواب كافة الكليات، ولكنَّ كثيراً من الأسر تمارس وتتحكم في مصير أجيال جديدة هي التي ستعيش مستقبلها وليس الأهل .
بريدي الإلكتروني حمل هذا الأسبوع أكثر من رسالة حول ذلك، ومنها حالة تقول صاحبتها: إنها دائمًا من المتفوّقات وهي مطمئنة على هذا التفوّق الذي يؤهلها -بإذن الله- لكلية الطب التي ترغبها، لكن أهلها يرفضونها خشية أمرين «كلاهما مُر» على الأسرة، أولهما الاختلاط المحتمل أثناء التدريب، والمؤكّد بعد التخرج كطبيبة.. والأمر الثاني هو تأخّر سن الزواج للطبيبات، والعزوف أحيانًا عن الزواج منهنّ، مع أن الفارق سنوات قليلة، وفي كافة المجتمعات كثير من الفتيات لا يتزوجنّ إلاَّ بعد الوظيفة وحياتهن مستقرة.
هذه رسالة عن حالة طموحة ترى مقدمات اغتيال حلمها الذي رسمته لحياتها، واجتهدت وتفوّقت من أجله، وأهلها اختصروا المسألة في الاختلاط، ويختزلون مستقبلها من كل الزوايا بالزواج. ورسالة ثانية من خريجة ثانوية عامة أبدت رغبة في دراسة الإعلام، والتخصص في الصحافة، وتضيف : “ما إن تلفظت بذلك، انتفض الأهل، وقامت الدنيا عندهم ولم تقعد! والسبب هو نفس ما سمعته الطالبة الأولى: الاختلاط بحكم العمل. ثم سألوها: وهل سيتزوجك أحد، وأنت في الصحافة؟!.
حقيقة لا أدري بماذا نسمّي هذا الموقف وذاك من أسر الطالبات؟ بينما تنظر أسر أخرى لذلك بشكل أكثر استجابة لميول وقدرات الطالبة، وواقع الحياة، ويساعدونها على تحقيق ذلك؛ لأنهم يفرّقون بين الاختلاط التلقائي ضمن سياق الحياة العامة في الأسواق والمستشفيات، وهذا ما نعيشه باحترام، وبين الخلوة المحرّمة التي لها دوافع أخرى لمن في نفوسهم مرض في كل زمان ومكان، ولا مجال للقياس على هذه المخاوف والمحاذير الاستباقية، طالما حسنت التربية والأخلاق، وتوفرت الثقة والحرص على الآداب العامة، ومَن يفتقدها - بنين وبنات - في أي مجتمع كان، فهذا شأنه وسبيله، ونسأل الله لهم الهداية.
وعلى العكس أيضًا من هذا (العضل) في التخصص العلمي بدعوى ضمان فرصة الزواج، نجد شبابًا يرون المسألة من زاوية واقعية، فهناك مَن يرفضون الزواج من موظفات في مهنة معينة، ويقبلون بأخريات لأسباب ليس بينها السن ولا الاختلاط، حيث تغيّرت الظروف ومعايير سن الزواج ارتفعت بشكل عام للجنسين، وإنّما لعنصر دخل الفتاة والإجازة السنوية الطويلة كالمعلّمات مثلاً ، ومع ذلك هل كل مَن تزوّج معلّمة حافظ عليها وعلى أسرته؟ أم ضاعت دوافعه الأولى التي تزوّجها من أجلها، وتبدّلت بمشاكل أخرى؟!
أنا لا أتناول هنا موضوع الزواج من عدمه لذوي تخصصات معينة، وإنّما فقط أؤكد على ضرورة تغيير هذه المفاهيم بعد أن تغيّر الواقع، فكما ينظر بعض الشباب بهذه النظرة الضيقة، هناك الذين يقدّرون مَن تعمل في هذه المهن العظيمة النبيلة كالطب والتمريض، وحتى الصحافة التي لم تشهد بعد إقبالاً وحضورًا كافيًا من المرأة السعودية.
إن تلك المفاهيم لم تعد مقبولة، ليس لأن الاختلاط العام حاصل، وهل نسينا زمنًا مضى كان فيه تعليم الفتاة من المحرّمات، وهو في حقيقته موروث اجتماعي تغيّر كثيرًا، والرافضون أنفسهم جزء من الواقع الحالي، ومن الاختلاط العام؟ وهل يوجد أحد انعزل عنه في الأسواق والعلاج ؟! وهل كنا سنجد مواطنات طبيبات، وممرضات، ومعلمات؟ وكيف سيكون حال نصف المجتمع؟!
من غير المقبول أبدًا أن تحجر أسرة على مستقبل ابنتها، فالتدخل المقبول هو فقط عندما يترتب على اختيارها العلمي والوظيفي ضرر، كأن تكون مخطوبة، أو متزوجة، فلابد من التوافق والتراضي بين الطرفين قبولاً أو رفضًا.
منقول ...... المدينة