| ||
| ||
|
|
|
|||||||
| التسجيل | التعليمـــات | البحث | مشاركات اليوم | اجعل كافة المشاركات مقروءة |
| القصص و الروايات ما يبدعه قلمك من القصص والروايات |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
#21
|
||||
|
||||
|
نفضت يدي من فرح عهدته.. فلست كباقي البشر أعيش.. الآلام تسكنني.. الذكرى تحرقني.. كلما لمحت أملاً قام وانتحر.. الأقدار مني تنتقم.. وأنين قلبي يبقى كالضباب في الحقول.. كالكلمات بلا سطور.. أبسط كلماتي بقلبٍ دائم الحسرات.. لأبعثها إليك حبيبي.. وأنت البعيد عن القلب والحب الدفين.. كفاك من الذكرى حزن وألم.. كفاني في الحياة غربة وشجن.. أعيش في الحياة على أمل رؤاك.. حائرة..!! فهل يستجيب القدر.. وأنا أعلم علم اليقين بأني وحدي معذبة بالشوق والحنين.. وتبقى أنت سعيد.. مدركاً راضياً بأمر ربك.. وأبقى أنا وحدي حزينة مدى العمر.. وبينما تيام تتكلم صارخة وألفاظها تنتفض من لسانها كالصاعقة على كل شيء في هذا المخدع، وآلامها موج كشعلات النار والكبريت. وارتعشت ممتوجعة والتفتت نحو كل شيء حولها، وكأنها تريد أن تطفح بذاكرتها هذا المنظر من كل جوانبه، شجرة الدموع الممسوحة.. صخرة اكتشاف الوفاء.. وميدان الاتفاق.. شجرة فارس وشجرتها.. تتأمل بما أوتيت من قوة ودموعها تنهمر، وبكائها يعلو بين أصوات العصافير الحزينة.. واحساسها الكبير بأنها لن ترى هذا المخدع بعد اليوم.. وفي كل نظرة تبعث بها إلى تلك الأشياء المنثورة حولها تكون نظرة وداع. وظلت على هذا الحال حتى بلغت الشمس أطراف المخدع وقد مالت إلى الغروب، وابتدأت الحقول والبساتين تتشح بنقاب السكينة والراحة، والطيور تنشد صلاة المساء. ومع فرحة الأشجار بمداعبة النسيم وابتهاجها بشعاع الشمس والقمر، ومناجاة هذه العصافير، سنّت تيام لجسدها ونفسها قانوناً واحداً قاسياً، فأقامت لميولها وعواطفها سجناً ضيقاً مخيفاً، وحفرت لقلبها وعقلها قبراً عميقاً مظلماً، إذ كابدت على روحها ووقفت بصعوبة وذهبت راجعة من حيث أتت تصرخ بمصيبة فقدانها لحبيبها. مرّ على هذات اللقاء عدة أيام وتيام تزداد ألماً وجسدها حلَّ هزيلاً ضعيفاً بالكاد يقوى على الحراك، لا شيء يتحرك سوى تلك اليد التي تمسك بهذا اليراع الذي لا يفارقها، وفي يوم به التقت روح تيام جني الكتابة.. وبمساعدته كتبت شعراً بعنوان: ما لا يستطيع فعله الزمان أيام تمر.. لحظات تسرع.. واشتياق عظيم.. منذ أن فارقتك نبض الشرايين فقدني.. ورحلت عني وسادة الأحلام.. وغادرت أجمل لحظات أيامي.. غدر بنا الزمان.. وأبعدنا بعيداً.. وحرمنا من أجمل وأروع لقاء.. وسمح لليالي الدمع والسهر بالإقتراب.. وفتح حدود الفراق الذي أبعدناه.. لقد كنا أجمل طيرين على غصن الحب.. وأنعك زهرتين في حديقة الغرام.. وأروع ذكرى عزفت على قيثارة الأمل.. كنا نقطع الدروب والمسافات.. ليعانق الواحد منا الآخر.. ولنحقق عهداً وقسماً في الحب.. كنا مجرد عاشقين.. عاشقين.. يحمل كل منا معاني الحب.. لقد كنا الذكرى واللحن والقلب النابض.. إلى أن تغير أسلوب الزمان.. وتغيرت الأحوال.. من يدٍ تعانق يد إلى كفٍ تودع كف.. من قلب يحضن قلب إلى دموع فراق من عيون تدمع في لحظة لقاء إلى عيون تنزف من لحظات الفراق.. أعترف أن الأحوال تغيرت.. لكن ليست كل الأحوال..!! لم يستطع الزمان ولن يستطيع.. تغيير كل الأحوال.. لن يستطيع منع قلب أن يشتاق لقلب.. وحب لحب.. لن يستطيع محو الأحلام والذكرى.. لن يستطيع أن يفرقحبيبين بعد لقاءهما.. مهما بعدت المسافات.. ومهما طال درب المسافات.. لن يستطيع الزمان إلغاء لحظات جميلة.. لحظات اللقاء.. منذ أن ودعت تيام فارس وقبل ثلاثة شهور، وهي لا تبادل حديثاً مع أحد حتى صديقتها الحميمة عبير، ماذنب عبير الصديقة الوفية بهذا الفراق.. هكذا وعن طريق هذه الأفكار التي تركزت في مخيلة تيام، ركضت تيام إلى الهاتف، وغرست أصابعها في الدوائر الصغيرة حتى زرعت لهفتها لمحادثة عبير في الأرقام.. - ألو.. عبير..؟ مرحباً.. - مرحباً تيام.. - أنا أنحرق شوقاً إلى رؤيتك يا حبيبتي.. أن أحادثك.. وأشكي لك همي.. عبير.. - الآن وبعد غياب أربعة شهور.. إنك قاسية يا تيام.. أنت تقسين عليّ.. فلا تسألين عني، لما كل هذه القسوة.. لماذا لا تخابرينني.. ألا ترين كم مرة زرتك وجلست معك في غرفتك.. أما أنت فلا تهتمين بي ولا تحضرين لزيارتي في البيت لتشاركينني الجلوس في غرفتي كما أشاركك.. وعندما سمعت تيام هذا الحديث من صديقتها شعرت بغصة في حلقها.. إنها تخابرها لتحدثها عن الفراق الذي حلّ بينها وبين فارس.. أما عبير فهي منشغلة بالعتاب.. وهي لا تدري ما حلَّ بها في هذه الفترة التي تتحدث عنها.. الأربغة شهور.. هي فترة حطمت نفسيتها، وعصرت روحها، قدمت حياتها للموت فداءً للحب، وانهارت طموحاتها... لم تعرف تيام بما تجيب.. إنها تدعوها بالقاسية وهي لا تعلم كم الزمن قسا عليها.. فصمتت... أما عبير فقد تضايقت من صمتها وأكملت غير مبالية لما قالته: - تيام.. لماذا تخابرينني اليوم.. ماذا تريدين..؟! - أنت صادقة يا صديقتي بكل ما قلته.. ولكن هناك أمراً يشغلني ليس فقط عنك بل عن كل العالم.. آسفة وأعتذر منك.. فسامحيني إن أخطأت، لا أريد شيئاً وما أردته فقط الاطمئنان عليك والسؤال عن أخبارك.. إلى اللقاء حبيبتي.. - حسناً إلى اللقاء أنتظر منك مكالمة... قالت تيام هذا الكلام وفي لهجتها يبدو عليها الانفعال، كان صوتها يبكي.. كانت كلماتها تبكي.. كان وجودها يبكي.. عندها أدركت بأنه لا يمكن لمعافى أن يشعر بجراح غيره.. وأن يقاسمه البكاء جراء هذه الآلام.. وفقدت أملها الوحيد بأن تخفف صديقتها الوحيدة آلامها.. فالجرح لا يؤلم إلا صاحبه.. ومرَّت الأيام وليالي الكرب تملأ حياة تيام أكثر فأكثر.. فلا تكلم أحداً.. والطعام لا يعرف طريقاً لمعدتها.. منحنية الرأس دائماً.. كثيراً ما تسمع فلا تجيب ببنت شفة.. وحيدة في غرفة عمرها.. تضطجع على سرير مفروش بالكآبة والأحزان، ولا أحد يعلم سر بلائها.. في أوائل شهر نيسان أرادت تيام أن تقف لتنزل صوب الحقيقة فتشتم عطر زهور هذا الشهر الذي يذكرها بنيسان حب ثمانية سنوات. وقفت.. تحركت من مكانها شيئاً فشيئاً، إلا أنها شعرت بتنملٍ في رجليها حتى أصبحت لا تشعر بهما، ومن ثم تعاظمت الآلام فلم تقوَ على الصمود، كابدت على نفسها.. فصرخت بأعلى صوتها.. قدماي.. ووقعت أرضاً.. وما من دقائق مرَّت حتى هرعت العائلة على صوتها فحملها الوالد بحنان لم تعهده من قبل وتمنته ذات يوم، والخوف والحيرة بادية على ملامحه. اصفرت الوجوه واكفهرت الملامح من حولها وتناثرت دموع والدتها والإخوة من حولها يندبون سوء حظها والحيرة تتراقص أمامهم متعجبين لحال أختهم الوحيدة وضعفها فجأة ودون سابق إنذار وقال لها الأب: - ابنتي ما بكِ..؟!! - أبي أنا لا أشعر بوجود قدماي.. وبعد أن رأت كل العائلة حولها أغمضت عينيها بسلام، والابتسامة لا تفارق ثغرها الحزين. |
|
#22
|
||||
|
||||
|
21 في انتظار المجهول توارى النور الضئيل وغمرت الظلمة البطاح والأودية، في تلك الليلة الهادئة، وتحت جو ثائر وقلق شديد. أضواء مخيفة وغرفة غريبة.. آلات تحيط بها من كل النواحي وفتاة راقدة على سرير فيها.. شاحبة الوجه.. إنها في قسم الطوارئ من المستشفى.. إنها تيام المسكينة. انعكست اللأضواء على عينيها فتلألأت الدموع فيها، بدأت بالتحرك بعد إغماء طويل.. أخذ صوتها يتعالى بكلامٍ لا أحد يفهم معناه، إلا أن صراخ تيام فجأة وهي لا تزال تحت تأثير التخدير: - فارس.. أين أنت.. أريد فارس.. أريد أن أراه..!! استغرب الأهل من كلامها المتقطع هذا.. وأخذت التساؤلات تدور في أذهانهم.. فقال الأب: - من هو هذا فارس وما علاقته بتيام.؟! لو أنني أعرفه لأتيت به الآن إليها.. فجلست الأم والإخوة ومعهم الوالد يفكرون بهذه الشخصية المجهولة.. أما تيام فكانت لا تزال تنطق باسم حبيبها فارس وتلب رؤيته وتصرخ بصرخات أخرى متقطعة بلسانها المتلعثم قائلة: - لا تأخذوا فارس من بين أحضاني.. فارس أريدك بجانبي.. فارس.. فارس.. الصورة.. أريد الصورة.. إنها صورته.. يجب أن تبقى معي.. ومع هذه الجمل القصيرة التي تنطق بها تيام، كان الأب ما زال غارقاً بالتفكير مع البقية يجلسون والصمت لغتهم الرسمية في موقفهم هذا، حتى قطع الأب حبل هذا الصمت قائلاً: - إنها تتحدث عن صورة.. يجب أن نبحث في أشياء تيام.. في غرفتها.. لا بدّ وأن نجد تلك الصورة في مكان ما.. هيا بنا.. ذهب الوالد والأخ الأكبر وجالا النظر في غرفة تيام.. ففتشا وبعثرا كل شيء بها حتى وصلت أياديهم حيث دفتر مذكراتها، وما أن فتحه أخاها حتى وقعت منه الصورة، وصرخ: - أبي.. أبي إنها صورة فارس ابن الخال.. - كيف لم يخطر هو ببالنا.. هيا لنعد من حيث جئنا.. إن أختك في خطر وأسل الله بأن يكون لهذه الصورة دور في شفاء تيام من سقمها. تقدم الأب من تيام وكله طيبة وحنان فأمسك يدها وخاطبها قائلاً: - تيام حبيبتي؟؟ بنيتي.. ها هي الصورة التي طلبتها.. إنها صورة فارس.. فارس ابن خالك.. تيام أنا أحبك.. آه كم ظلمتك في حياتك إذ لم أعطك ذرة من حنان الأبوة، آه كم شعرت بالوحدة فلم أبالي.. كم من أيام مرت فلم أعرك أي اهتمام.. سامحيني يا ابنتي.. سامحيني.. ليتك تسمعينني.. اطلبي ما تشائين يا ابنتي وسأحضره لك.. تكلمي.. استيقظي من سباتك.. افتحي عينيك وقاومي المرض.. فجاء صوت ضعيف قريب إلى الهمس ينطلق من فمها.. - فارس أريد أن أراه.. - سأحضره لك.. سيكون عما قريب.. بجانبك.. ومرّت أيام وتيام على حالها، راقدة في العناية المركزة غارقة في سبات عميق، دون حراك.. ولسانها لا ينطق إلا باسم حبيبها فارس. وبينما كانت تيام على هذا الحال تصارع الحياة وتكابد الموت، كان شاباً جميلاً يتسلل في صمتٍ وسكونٍ من حيث لا يشعر به أحدٍ وينحدر إلى مكان ناءٍ عن كل شيء.. هو ذاك المخدع.. مخدع تيام.. فحزنه الصامت العميق ودموعه الحبيسة قد أسقطت ملامحه البشوشة تحت أعباء ذلك الحزن الثقيل. تحت أشجار الصفصاف وفي أيام نيسان التي كانت تشعل سرائر الحب الخفية الكائنة بين روح فارس وروح تيام، وفي هذا الشهر الجميل تقلب وجه هذا المسكين في السماء يسألها دمعة واحدة يروِّح بها عن نفسه، ويرسل صرخاته المحزنة الأليمة في جو السماء.. إنه فارس جاء في هذا اليوم الكئيب بعد أن شعر بلجاجة خوف تسري في قلبه.. أحس بأن مكروهاً قد أصاب حبيبته، جزعاً قوياً أقلق تفكيره ولا يعرف سببه. اقترب فارس من الشجرتين المسمتين باسمه واسمها وجلس تحتهما.. شجرته ترتفع بأغصانها قوية باسقة، إلا أن موجة الذعر قد زادت من حدتها حين رأى شجرة تيام مصفرة الأوراق منحنية الأغصان، تكاد جذورها تقتلع من الأرض، فذعر من منظرها وقال: - تيام.. إنك تتألمين.. أنا أشعر بآلامك.. لا.. لا يمكن إن تيام بخطر أسمع دقات قلبها تناديني.. تستنجدني.. أنا أشعر بأنين صوتها يصل مسامعي.. وما عساي فاعل أنا هنا وحبيبة قلبي يداهمها الخطر.. فصرخ بأعلى صوته غير مكترث بشيء.. تيام حبيبتي أنا قادم إليك.. انتظريني.. وفي هذه اللحظات كانت تيام ما زالت على حالتها دون حراك.. إلا أن تنهد الجميع من حولها بعد أن حركت يدها ورفعتها قائلة: - الصورة.. أريد صور فارس.. ودنى والدها منها قائلاً: - لك ما تريدين يا ابنتي خذيها فهي لك.. وإذ بشعلة إلهية وهبت لتيام القوة وجعلتها ترفع يدها بقوة فتمسك هذه الصورة وتضمها إلى صدرها وتقول: - فارس اشتاقت عيني لتراك بقربي حبيبي.. كانت تنتشل كلماتها من لسانها بصعوبة كانتشال إبرة من قعر البحر.. حتى استطاعت أن تنظِّم شعراً بعنوان: أشعر بك حبيبي.. حبيبي إني أشعر بك وأسمع وقع خطواتك وأشم رائحة عطرك ودخانك.. أجل.. إني أشعر بك قريباً مني.. تقف أمام عيني.. تلامس يدي.. وتقبل شفتي بكل حب وهيام.. وأنا متمسمرة في مكاني ولا أقوى على التحرك من سريري.. أحدق بعينيك اللتان تسحراني.. وفيهما الأشواق.. وابتسامة أنارت بالحب والأمل.. حبيبي.. إني أشعر بك.. رغم بعدك عني.. أشعر بك وأراك كالحلم أمامي.. اشتد الحزن، واستولى الحزن على النفوس، وبدأ الرعب يدّب في قلوب الكثيرين ممن حضروا هذا المشهد المؤلم.. الكل يراقب ولا يستطيع أن يفعل شيئاً.. مرّت ساعتين على هذا الحال ووضع تيام يزداد سوءً.. حتى وقف شاباً أمام باب الغرفة في شبه ظلام وطرق الباب، فجال النظر في المكان فلم يرَ سوى دموعاً في الأعين، وشقاءً يملأ المكان، ولبث متسمراً في مكانه لا يدري ماذا يفعل..! فأخذ يقترب من السرير بخطوات خائفة حزينة إلا أن وصل بجانبها وقال بصوته الحنون ونغماته الحزينة: - تيام حبيبتي.. أنا الآن بجانبك.. أرجوك افتحي عينيك.. أمسكي بيدي.. أنت لا تحلمين.. أنا حقيقة بجانبك.. ما هذا الصوت.. إنه صوت عجيب، لقد استطاع صوت فارس أن يحرك روح تيام الجاثية أمام الجميع كالأموات، ولم يطل انتظاره بعد النداء حتى بدت تيام تطالعه بعينين ذاهلتين، وبدت كمن تفيق من صدمتها وثبّتت بصرها لحظات دون أن تتحرك، ثمّ دبّت في عينيها يقظة تشع في نظرتهما الابتسام وهتفت: - فارس أمامي..! لا أصدق عيني.. فارس بجانبي وفي آخر لحظاتي.. هات يدك تلامس يدي.. تلامس وجهي.. اشتقت للمساتك حبيبي.. حبيبي.. حبيبي.. آه كم اشتقت لأنطق لك بهذه الكلمة وأقولها لك.. فضغط فارس على يدها وربت بالأخرى على ذراعها وجذب نفسه نحوها.. وهو يقول: - حبيبتي تيام .. أرجوك قاومي المرض.. كوني قوية كما عهدتك.. ولا تجعليه ينتصر على قدرتك للحياة.. - اقترب الآن يا حبيبي.. اقترب يا فارس ولا تتركني.. اقترب لأتلو عليك شعراً أقدمه لك بمناسبة يوم ميلادك الثالث والعشرين... في ذكرى ميلادك ها قد مرّت أيام وسنين على ذكرى هذا الحب.. وذكرى ذاك الفراق الأليم.. وأنت ما زلت حبيبي تعيش في الصميم.. لقد كانت تلك الأيام التي عشتها إلى جوارك أجمل أيام العمر.. ولكن الزمان كتب لنا أن نعيش والحزن يملأ قلوبنا والشوق يملأ كياننا.. فها هي ذكرى ميلادك اليوم ستدون.. ذكرى اللقاء.. وذكرى الوداع.. وذكرى الفراق.. تمر ولا زالت الشموع تحترق حزناً.. والقلب يتمزق لوعة وحسرة.. لماذا..؟؟ لماذا كتب لنا لنا أن نعيش والفراق سد منيع بين قلبينا.. حبيبي... إن الفراق لم يكن غلطة ارتكبناها كما يظن الجميع.. أو خيانة قطعت حبل الوصال بيننا.. بل كانت لعبة لعبها الزمان.. ليشتت بها قلبين لم يكن ذنبهما إلا أن ارتبطا برباط مقدس ألا وهو العشق.. فلم يزدهما الفراق لإلا شوقاً وحنيناً.. حزناً وأنيناً.. حبيبي.. لقد تربعت على عرش قلبي.. فلم ينازعك أحد ولا زلت نعم يا حبيبي.. لا زلت ذاك الأمل الضائع الذي أحي التي مرّت.. لا زلت أبحث عنك في متاهات طريق الفراق والضياع.. حبيبي.. ذكرى ميلادك هي ذكرى حياتي وستكون تاريخ وفاتي.. نعم فيوم ميلادك كان ميلاد حبي.. وسيكون يوم افتراق روحي عن جسدي.. ذكرى ميلادك.. حزن وسعادة.. ضحك وبكاء.. نشوة لقاء ودمعة فراق.. حبيبي.. أحييك تحية ملؤها الشوق والمحبة.. تحية مكللة بأجمل باقات الزهور من أجمل حدائق الفردوس.. أقدمها إلى أعز وأرق وأطيب مخلوق على وجه الأرض.. باسم المحبة الصادقة الخالصة.. النابعة من قلب محب صادق وصافي.. إليك يا حبيبي الغالي في يوم ميلادك.. فباسمي.. وباسم معاني الحب الصادقة.. إليك مني أجمل الأمنيات بالسعادة الدائمة.. إليك حروفي على أوراق الورود المعطرة.. ومع أسراب الطيور التي تشدو ألحانها الجميلة لك.. يا أغلى زهرة نابعة بين الرياحين في بستان المحبة.. أهديك أربع زهرات.. الأولى.. من عين تريد أن تراك.. الثانية.. من لسان يريد أن يروي قصة حبي لك.. الثالثة.. من قلب يهواك.. والرابعة من رب العباد أنم يرعاك.. حبيبي هذه هي هديتي لك في يوم ميلادك اليوم وقبل الفراق.. في كل عيد كنت أقول لك جملة هي: كل عام وأنت معي.. وكل عام وأنا معك.. ولكن هذه المرة لن أقولها لك لأنني بعد فترة قصيرة لن أكون هنا.. أنهت تيام كلامها وانطمس فارس بحنانها العميق، فقرأ في تقليص جفنيها نذيراً بالبكاء، إذ لبثت أن تستفيض الدموع في عينيها، فشعر لهذا بكآبة وحزن، ثمَّ قال لا يعبأ بكل من حوله من خلق: - حبيبتي تيام.. حتى وأنت في حالتك هذه ما زلت تذرين يوم ميلادي.. إنك عظيمة.. أنا لا أستحق منك كل هذا الوفاء.. أرجوك حبيبتي لا تذكري حروف الموت على لسانك.. أنت ستعيشين.. ستشفين من هذه الوعكة الصحية.. وسنحيا معاً إلى الأبد.. تيام أنا أحبك.. لا تذكري هذا الكلام على لسانك بعد.. - فارس.. إن وقتي ثمين في هذه اللحظات.. أأطلب منك أن تجمع لي كل العائلة هنا.. أرجوك أريد أن أراهم جميعاً.. وأعدك بأنه سيكون آخر طلب أطلبه منك.. ولا تنسَ صديقتي عبير.. أرجوك أريد أن أراها أيضاً فقد اشتقت لها كثيراً.. - تيام.. لك ما تريدين حبيبتي.. بعد ساعات قليلة سيكون الجميع حولك.. أعدك حبيبتي.. وعلى سبيل الاطمئنان دسَّ فارس يده في يدِّ تيام، وقد عاودتها ذكرياتها الأليمة ومن حدة نوبات الألم التي طوقت جسدها الضعيف، فصرخت من شدته وجاء الطبيب وبيده ابرة غرزها في هذا الجسد المتلوي بالألم وطلب من الجميع بإخلاء الغرفة لإتمام علاجها، وإسكان آلامها. ------ يتبع ------> |
|
#23
|
||||
|
||||
|
22 للحياة بقية الليل صخرة ثقيلة جاثمة على صدر تلك الفتاة، تقلب وجهها في السماء ولا تهتدي إلى نجم تجعلها تنام..! حاولت أن تلهو بعدِّ النجوم ورغم خوفها من أن تخطف روحها من بين عظامها وحيدة دون أن ترى أحداً، ألحت عليها فكرتها وحاصرتها، وكأنها ضرس مريضة يجب خلعها..! نعم يجب أن تقاوم المرض لساعات قليلة..! يجب أن ترى الجميع.. انتشر الدواء في أنحاء جسدها فحارت قواها وسكنت أفكارها وغابت عن الوجود لسبات لم تعرفه من قبل ومكثت في ألمٍ. بعد مرور برهة من الزمن، قامت تيام وهي تتلفت حولها ثمّ ما لبثت الباب أن انفتح ودخل الجميع أولهم فارس. وقالت والسعادة تظهر على ثغرها: - أبي.. أمي.. إخوتي.. أمل.. عبير وخالي العزيز.. أحبكم جميعاً.. وإيكم أقدم وصيتي... أذكروني بعد الرحيل.. بعد الموت لن يبقَ سوى الاسم والذكرى.. فلا تنسوني أذكروني.. كلما آن أوان.. وخطرت على بالكم إنسان.. كلما أقبلت عيونكم أن تنام.. أن تدعو السعادة لهذا الانسان.. أذكروني.. مع تجفف حبات التراب.. مع هبوط قطرات الندى.. عند رحيل الشمس عنكم.. وقدوم القمر إليكم.. أهلي.. أحبائي.. أصدقائي.. من فيكم له حاجة عندي.. فليطلبها من الزمن.. فالزمن سلب مني كل معاني السعادة.. السعادة لا تخلق.. ولا تتكوَّن.. السعادة على أهواء الدنيا تأتي.. فيا للأسف ما جاءت أهواء الدنيا عليا.. ولا على أهوائي.. فسحبتني بهوائها إلى كواكب ونواميس.. لا أحد سكنها قبلي.. سكنتها أنا الأولى.. نواميس أحزاني وكواكب وحدتي.. فامتلأ ت البحار بدموعي.. أذكروني رجاءً أذكروني.. وسكن الليل وكان ليل لا صيف ولا قمر فيه، وتيام مستلقية على هذا السرير وسط هذه الحجرة الكئيبة تمثالاً صامتاً لا ينطق وجهها إلا بمعنى الانتظار، كانت ترتقب مرهفة الحس ما سيحل بها في هذا الليل، حتى اقترب منها خالها وقال والحزن في ملامحه والدمع يترقرق بعينيه: - تيام.. سامحيني على ما فعلته معك.. سامحيني على الظلم الذي ولدته لك ولولدي فارس.. رفضتك دون سبب وفرضت عليك هذا الحزن بيدي.. تيام يا ابنة أختي أرجوكِ لا تتركينا، أنت البسمة التي تنير على شفاهنا.. أنت مثال الحب الحقيقي، وطيبة قلبك لا وجود لها في هذا الوجود، تضحيتك.. وفاءك.. وجمالك.. وكل شيء فيك، إنك لا تستحقين مني ما فعلته بك.. سامحينيواغفري لي كل تصرفاتي معك.. آه مني لو أن الزمن يعود لزوجتك حالاً لفارس وما فرقتكما عن بعض.. لم أخل حبكما كبيراً لهذه الدرجة.. ولم أتخيل أن يوصلك الفراق لهذا المطاف.. - كفاك خالي ندماً على الماضي.. فما فعلت إلا الصواب، ففي ذاك الوقت أردت أن تحقق وعداً لخالتي وقد فعلت، وأنا فخورة بك وبوفاءك لهذا الوعد وأحترم رأيك، ودعك من هذه الأوهام فأنت لم تظلمني كما تعتقد، إنما علمتني معنى التضحية والوفاء الحقيقي بالعهد، فوفائك لخالتي هو الذي جعلني أتمسك بوفائي لحب فارس، فلا تعتذر فقد تصرفت بما يمليه عليك ضميرك الحي وما فعلته فقط أنك لم ترَ في شخصيتي البسيطة الزوجة المناسبة التي تتمناها لابنك، فما من ذنب اقترفته تجاهي لأسامحك عليه فلا تطلبه مني بعد. توقفت تيام قليلاً عن الكلام، وما أن استعادت أنفاسها وقوتها أردفت قائلة: - عبير.. اقتربي مني.. دعيني أطفح عيني من ملامحك، ربما تكون هذه هي المرة الأخيرة التي بها تنظرين إليَّ.. اقتربت عبير الرفيقة الصادقة منها رويداً رويداً.. وفي خطواتها خوف وبنظراتها اكتئاب.. لم تتصور أنها ستقف يوماً وأمام تيام لتشهد وداعاً لها دون رجعة.. أمسكت عبير يد تيام الذابلة فأحسّت تيام بحنانٍ غريب يلم جسدها بعد أن افتقدته شهور وقالت: - تيام صديقتي.. ورفيقة دربي.. ستكونين بخير لا تقلقي.. لن تتركينا أليس كذلك...؟! - ربما حبيبتي.. ولكن إن حصل هذا.. أريد أن أطلب منك السماح إن كنت قاسية عليك يوماً ما وفي الآونة الأخيرة بالذات.. زكما رأيت السبب كان هو مرضي وهزلي الذي أعانيس منه.. فأنا الآن لا أقدر على الحراك وإن كتب لي العيش في هذه اللحظات وما بعدها سأعيش ولكن دون حراك.. لأنني أعاني من سقم الشلل.. - آه يا تيام.. بيا له من زمن هذا الزمن.. أنت تطلبين مني السماح وأنا من أخطأت معك.. ولم أفكر إلا بنفسي وبأشياء تافهة، فأنا من عبثت بعهد صداقتنا حين تبوحت بهذا الكلام.. آه لو أنني علمت بما تعانيه لأولاً ومن ثمّ تكلمت.. سامحيني أنت عما فعلته بك يومها.. أنا القاسية وأنت آية الحنان التي يقرأها العالم من عينيك المسعتين بالحب والصدق.. أنت انسانة طيبة القلب محبة للجميع هنا من حولك والمخلصة بكل معاني الوفاء لنا جميعاً.. ومن منا لم يظلمك بقسوته؟؟ وأنت الآن تدفعين ثمن هذه القسوة لوحدك، ومع كل هذا ما زلت ترسلين لنا كل نغمات الحنان من لسانك لتقدميه لنا عربوناً للظلم الذي أدركناه لك والسعادة التي سلبناها منك.. أنت تضحين بكل شيء من أجلنا ومن أجل بقاء ابتسامتنا على الوجوه، وأنت تغرقين في بحر دموعك.. أنت تضحين الآن بحياتك ونحن ننظر إليك ولا نيتطيع أن نفعل شيئاً لمساعدتك، أو حتى أن نشاركك الآلام المتأصلة داخل عظامك.. تيام إنني الآن أشعر بعمق المحبة لك أكثر عن ذي قبل.. إنني أحبك أكثر فأكثر.. - عبير.. أنا الآن أشعر بعطف ما عهدته من أحد قبل تلك اللحظات.. ولطالما تمنيتها.. أبي هل تسمعني إن صوتي لا يكاد يعبر إلى الحنجرة.. أمي أتراك تحسين برجفة ضلوعي في هذا البرد القادم وتوقدين تعبي في هذا الصيف.. - نحن هنا تكلمي أخرجي كل نبضات الألم من قلبك.. أصرخي بنا أنطقي بكل ألفاظ العتاب التي تخنق أنفاسك فكل ما ستقولينه لن يكفي لحظة واحدة من كل ما عانيته من الإهمال والغربة منا ومن سوء معاملتنا لك. - لا يا أبي لم تربني أمي على الصراخ بمن هو أكبر مني سناً وأعظم مني شئناً.. أتراك نسيت بأنك أنت من علمتني أن أحترم الكبير وأمجده فكيف أصرخ بكما فلا حاجة لي بذلك.. آسفة على كل قطرة سالت من على جفنيكما بسببي.. أبي.. أمي.. خالي.. إليكم جميعاً ما سأقصه عليكم عن نفسي.. أنا "تيام".. ثمرة جميلة كانت عطاء الاتفاق الذي تمّ ذات رضى في نفسي.. وفجأة ما عاد إلا تساؤلات ميتة تنام وتقضّ مضجعي.. الزمن قطف مني لذة الحياة؟؟ وعبث بجغرافية أيامي وجعلني على خط الاستواء ألهث صيفاً وأتوجع حرارة وألماً فهو المسؤول عند اختلاف القلوب وتبدل المشاعر وهو الملوم في غلطة القدر وليس أنتم.. أنا كنت تائهة.. ضائعة بين ثنايا الأيام.. لا أعرف كيف هي السعادة التي ارتضاها وحرمني منها وأنا الآن أصبحت كسيرة محاربة بطلة ربما.. بين الجميع تلفظني القلوب.. وتؤنبني شفقة ممجوجة من المشفقين..!! وأنا الشباب والعنفوان الذي يأبى كبرياؤه أن يعطف عليه أحد أو يشفق عليه أحد.. أو يتهاوى عليه إحسان أحد.. أنا "تيام" طفلة شابة.. طفلة ذاقت التعب.. وتعلقم الحرمان بحنجرتها.. شابة كسر فيها فورة الشباب وأنا لا أرى إلا الدمع والتأخر الصحي وهم يرافقوني في لذة أيامي ومدى سنوات عمري.. فإليكم جميعاً كل واحد بفرده وبانسانيته أقول.. إلى إنسان.. إلى إنسان.. لو طلب أهبه عمري وكياني.. إلى كل إنسان.. سكن قلبي وجهز على كل أركاني فلم يعد قلبي حراً بل أسيراً.. لا أعرف من أين أبدأ سوى أنكم أحبائي.. وأجمل ما في وجودي.. أسمائكم يا أحباء هي الأسماء الوحيدة التي لا أنساها حتى لو أصبت بفقدان الذاكرة.. إليكم.. إليكم... تنزف أحرف كلماتي على سطور رسالتي.. والله.. والله لو كان مقياساً للحب لوجد أن حبي أكبر مقياس.. إليكم.. إليكم... ترخص دموعي.. إليكم يا من عشت.. ماضياً.. حاضراً.. ومستقبلاً.. إليكم.. إليكم أكتب حروفي.. إليكم.. أكتب كلماتي.. وإليكم.. أكتب آخر أشعاري وأملئ آخر سطوري وصفحاتي.. أكتبها.. من صميم قلبي ولا أستطيع كتم آهاتي.. إليكم.. وإليك حبيبي.. سهرت الليالي حتى صحبت القمر.. سكنت الجمال والتلال.. أكتب أشعاراً.. وأسأل عنك البشر.. وكلما سألت قالوا مشيئة القدر..؟!! أحبائي.. ما زال هناك أمل.. أمل من حب قلوبنا.. لأجلس أنا وأوراقي في ساعات الليل.. أقلب أحزاني.. أحبكم... ولكن... الآن سنفترق.. وقبل الفراق التقينا وبكينا حتى انغمرت دموع عيوننا.. ولآن أريد أن أرى الابتسامة تتعالى على وجه كل واحد فيكم.. دعوني أفارقكم بفرحة وابتسامة لتبقى ذكرى الفراق جميلة.. انتفضت القلوب عندما رأت وجهاً كوجه تيام تطل من خلفه ابتسامة غابت عنه منذ مدة، لتعيد إلى الجميع ابتسامة الأمل. مرّت هذا الليل الأدعج وتيام تسكب سرائر روحها في قلوب أولئك الأقرباء والأصدقاء والأحباء، محدثة إياهم عن الفرحة والابتسامة، وعواطفهم تنسكب مع نغمة صوتها، ونفوسهم تتطاير مع أنفاسها، وقلوبهم تخفق بنبضات قلبها، فكأنها أصبحت منهم في تلك الساعة بمنزلة الروح والجسد. وبعد أن صمتت قليلاً التفتت نحوهم وقالت بهدوء: - والآن حان الوقت لأودعك يا فارس يا حبيب قلبي.. اقترب لإليّ وزوجتك أمل أريد أن أودعكما في ساعتي الأخيرة.. مشى فارس وأمل معاً صامتين لا يتفوهان بشيء، حتى أشرفا بجانبها ليجلس كل واحد من جهة. وإذ بتيام تمسك يدّ أمل ثمّ بيدِّ فارس ووضعتهما على بعض وأكملت حديثها: - أمل.. سامحيني إن لم أحترم وجودك بيننا وخاطبت زوجك فارس بالحبيب أمامك ولم أحترم شعورك، لكنني في آخر ساعاتي ولا أستطيع أن أضمر حبه في داخلي فأموت وأنا متعطشة مشتاقة لحبه.. فلا تقلقي لن أسرقه منك إنما سأحادثه للحظات قليلة فقط عزيزتي.. سأتحدث معه كالحبيب فيما تبقى لي من لحظات في هذه الحياة وسأختفي من حياتكما للأبد.. وأطلب منكما الآن أن تتعاهدا على الوفاء لحبكما.. وإن كان حديثي معه سيجرح إحساسك سأكتفي بالنظر إليه ولمسة يديه حتى أنطق آخر أنفاسي.. فقالت أمل وقد اغرورقت عيناها بالدموع : - تيام.. لو كنت أدري عن قصة الحب التي جمعتك وفارس.. لابتعدت وما كنت السبب في فراقكما. فحبك لفارس أعظم وأكبر وأوفى من حبي له، فهو كذلك ما زال يحبك.. الآن قد أدركت السر في محبته لدمية صغيرة ما زال يضعها في غرفته ووردة حمراء قد جفت في أحد كتبه.. إذ كثيراً ما رأيته يضمها إلى صدره ويذرف دموعاً عليها.. حينها أدركت بأنه يعيش على ذكرى شيء يخفيه عني ولا يريد لأحد أن يعرفه.. أظن أن هذه الأشياء منك.. ولها علاقة بحبكما.. أليس كذلك..؟! ضحكت تيام بابتسامة رقيقة يعلوها الألم وقالت: - لقد كانت هذه الأشياء هديتي الأولى لفارس.. أما زلت يا فارس تحتفظ بهديتي الأولى لك.. وفي بيتك..؟!! وبينما الجميع ذاهل من كل ما يدور حولهم من أحداث وأقوال.. فاضت أعين تيام وفارس بالدموع، وهلع فارس على تيام يعانقها ونحيب بكاءهما يدوي في المكان.. يا له من منظر هائل عظيم هلعت له قلوب الحاضرين، وزاغت له أبصارهم وفاضت له الشؤون من أعماقها لهفة وجزعاً. فتراجعت أمل إلى الوراء دون أن تنبس بكلمة لتدع الحبيبين يتناجيين ويتبادلان كل حديث يريداه.. ومع تقطع نياط القلوب وتناثر عنان الدموع قالت تيام تخاطب حبيبها: - فارس.. حبيبي.. في الماضي عشنا هذه اللحظة.. لحظة الفراق.. وها هو الزمن يعيدها إلينا مرة أخرى.. في الماضي كان وداعاً يختلط به بعض الأمل باللقاء.. ولكنه الآن مختلفاً فهذا وداع لن يكون بعده لقاء.. وليت الجميع من حولنا يعرفون ما هي ساعة اللقاء والفراق بيننا.. وقلبانا منها المرَّ قد تذوق.. أعرف يا حبيبي كم هي صعبة دمعة الفراق فهي سهم لا يرحم يغرسه القدر في أعماق الأعماق.. يا حبيب قلبي.. يا فارسي يا مهجة فؤادي... .. |
|
#24
|
||||
|
||||
|
يا حبيبي إذا بكيت يوماً والدمع في عيني فاعلم بأنني كنت أبكي فراق أعز حبيب وإذا متُّ والعين تدمع.. والجرح ينزف أستحلفك حبيبي.. وبألا تحرق خدك بدمعة ندم وإذا كان من الدمع بدٌ فاذرف.. ولا تلبس السواد.. وسامحني يا حبيبي.. لأني أجريت الدمع في عينيك.. إني أفديك بدمع.. وربيع عشق أهديه إليك يا حبيبي.. أنت آذار الحب والعطف.. أنت زهرة غرست في أرضي.. فضمني إلى صدرك.. وضمد جراح الزمان وويلاته وأهمس في أذني من شذاك.. إني أحن إليك يا حبيبي.. اذرف علي من دموعك لترطب جسدي المتحجر وبخيط صمتك انسج لي كفناً وبصدى صوتك حطم لي جدران قلبي لأخرج من صمتي وبرحيق كلماتك املأ كأسي لأنهي قصيدتي أستحلفك.. بكل نبضات القلب بألا تهجر لحدي.. فببعدك سيكون موت روحي.. وتذبل أوراق ازهاري.. ألم أقل لك أن البعد عنك سيولد لي عذابي وأنيني وميلاد موتي.. إن الإله سيحاسبني على ديني.. وأنت الإيمان في ديني.. فآه يا حضن أمي أمي المتعب بسببي آه يا رحيل الأوقات يا بعد المسافات.. الآن قد طوى الزمن لي حكاياتي وأعلن قتلي ومماتي.. آه يا موج البحر.. يا دمار العمر.. آه يا حريق العيون.. ويا ليل الأشواق.. فهذه لحظة اللقاء.. تمنيتها فكانت لحظة الفراق.. فأهلاً بليلي الطويل.. فقلبي الآن عليل.. أهلاً يا حبي الحزين؟؟ يا حبيبي.. أنا المهاجرة عن القلب إلى الأبد.. فهذا اللقاء الأخير.. أستحلفك حبيبي.. أذكرني.. فأنا حبيبي.. لن أنساك.. ولا أنساك.. طالما اسمك في القلب محفور.. حبيبي.. كتبته على صوتي.. كتبته في جدار الوقت.. على لون السماء الهادئ.. على الوادي.. على موتي وميلادي.. سأذكرك رغم الموت ولن أنساك.. أذكرني إذا الموت أخذني.. ورماني.. فقلبي المحب سيبقى يذكرك رغم الرحيل.. رغم حواجز التراب التي ستغطي أشلائي.. سأبقى أذكرك لأن النسيان مستحيل.. أنت حبي الأوحد والوحيد ولك مني أحرّ أشواقي رغم البعد السحيق.. ولك مني أصدق معاني الحنين.. توقفت تيام عن الكلام.. رغم أنها لم ترد إيقافه حتى آخر نبضة في عروقها، إلا أن الضعف غلبها وشهق البكاء منعها والفارس يصغي لها.. يا لهذا الألم.. ألم الأحزان.. ا لهذه الدموع.. دموع العاشقين.. إن هذه اللحظة هي أصعب الاحتضارات.. تهدمت الحياة، وتقطعت الأفئدة والشرايين، ورغم صرخات فارس المكتومة ونظراته في عينا حبيبته أراد أن يعيد الأمل في الحياة في قلب تيام.. ويعيد لها عمرها وسنينها.. وحبها… ومع بكاء القلوب وبكاء آلاف الكواكب قال: سأذكرك حبيبتي لن أنساك.. سأذكرك يا حياتي.. سوف أبقى أذكرك حتى لو ابتعدت كل البعد.. رغم رحيلك عني.. ورغم كل الحواجز.. ورغم الصمت الذي هو لغتك الوحيدة.. سوف أبقى أذكرك.. رغم صراعك للضياع.. رغم الحرقة الحزينة الجارحة.. رغم محاربتي لطواحين الزمن.. سوف أذكرك يا قمري.. في الوحدة.. رغم توقف قلب الحب.. عن الخفقان.. ورغم الجروح التي لم تلتئم بعد.. رغم نزيف دماء حبي لكِ.. رغم تبدل الأحزان الأحزان بالأفراح.. رغم رفض الأقدار أن تمنحني فرصة لأراكِ فيها وأكلمك بحرية.. رغم أنياب الألم والعذاب التي تنهش قلبي.. سأذكرك… تأكدي يا حبي الوحيد أن النسيان لن يصل أبداً إلى أفكاري.. مهما طال الزمانعليّ فحبي لك يدوم.. ومهما كانت المشقات والمتاعب سأتحداها.. ومهما كانت الظروف والأوضاع.. أرجوك حبيبتي لا تستسلمي لشبح الموت.. قاوميه.. أطرديه… فصوتك يهتف بأذني دوماً.. ولن أنساك مهما طال الزمان وبعد المكان.. أحبك من صميم قلبي يا أجمل حبيبة.. فيا حبيبتي أنا أحبك وسأذكرك ولن أنساكِ |
|
#25
|
||||
|
||||
|
- أتعرف يا فارس.. كثيراً ما تمنيت وحلمت بأشياء أردت تحقيقها.. إلا أن القدر قد وقف بيني وبين ما أبتغي.. إلا أمنية واحدة تمنيتها يوماً وخلتُ الزمن أن يحققها لي.. ولكنه لم يخذلني وخصوصاً في آخر لحظاتي.. أتعرف ما هي تلك الأمنية..؟! أن أموت بين أحضانك.. أن أستنشق آخر زفراتي وشهقاتي من أنفاسك.. نعم أردت هذا وها هو القدر يحققها لي.. ويا للفرحة التي تعترش قلبي.. أحبك حبيبي.. وموتي لن يكون إلا بين يديك.. حبيبي لقد ضاعت راحة قلبي.. وحسب رأيك أين أجدها وبما أستعيض عنها..! سوى أن يمدّ الموت يده ويصفعني بشدة فيوجعني.. نعم إنه الموت.. - فلا تبكي عليّ حبيبي.. إن اليوم سيكون راحة لقلبي.. ثمّ لألمي الذي ما عاد له أملاً للشفاء.. وقف فارس على قدميه مرتجفاً كالقصبة في مهب الريح.. مكمّد اللون.. مصفّر الوجه، تتمايل على سحنته المنقبضة أشباح الأحزان، وتنبعث من عينيه الحزينتين نظرات موجعة تتكلم بالسكينة عن انسحاق قلبه وظلمة صدره.. نظرات نحو تلك الحبيبة الجائية أمامه تحتضر بين يديه ولا يقدر أن يفعل لها شيئاً ليمدّ روحها بنَفَس الحياة مرة أخرى. وأخذ يلامس شعرها بأطراف أصابعه تارة، وتارة أخرى يمسك يديها.. وأخرى يمسح بيده على وجهها. ونظر إليها وأجفانه المقرحة من البكاء تتكلم عن شدة حزنه ولوعته، وبصوت مخنوق ترافقه التنهدات الأليمة قال: - أنت لن تموتين حبيبتي.. أرجوكِ كفِ عن هذا الحديث.. آه يا ربي.. خذ عمري وامنح لتيام.. خذ وحي واعطها الحياة. فنظرت تيام إليه بعينين غارقتين مكحلتين بأشباح الكآبة والشقاء مقاطعة إياه قائلة: - لا يا فارس سلامتك من الموت، ما زال العمر أمامك.. أوتراك نسيت الملاك القادم.. تيام الصغيرة فليحفظك الله من كل سوء لتعيش سالمة بين أكناف حنانك.. اقترب حبيبي مني أكثر.. و... ضمني حبيبي.. أناجيك حبيبي.. فمدّ لي بيديك وخذني من طريق الضياع.. أناجيك فخذني إلى صدرك قبل أن تأتي الدقائق وأموت فيها ويكون الوداع.. سأسافر اليوم وسأمسي صوراً وذكريات.. وستجمعكم الأفراح كاجتماعكم هذا.. وربما لا تذكروني إلا قليلاً.. أو لا تذكروني بتاتاً.. ضوء حياتي من نور عينيك.. ودفء قلبي من لمسة يديك.. ارمني بأحضانك.. وشدني لصدرك.. بما أوتيت من قوة.. فأرجوك حبيبي أن تضمني إلى صدرك الحنون.. وأن تقبلني بشوقٍ وتقول لي أحبك للأبد ولن أنساك.. اللحظات تفرّ والدقائق الأخيرة تسرع.. وليلة يخترقها أنين القمر.. إليك حبيبي الغالي أحلى سلامي وهو الأخير في حياتي.. إني مسافرة على طريق الرياح.. على أجنحة العصافير.. مسافرة حبيبي.. وبيننا البحار والجبال.. تبعدنا ليالٍ وسنواتٍ وحتى الأبد.. مسافرة إلى مكان بعيد.. يطول الانتظار به عن لحظات تجمعنا من جديد.. حبيبي أرجوك.. دع يداك تضمان جفني.. وأصابعك ببين خصلات شعري.. وهمسات عينيك تسري وتنفلت في الظلام.. ضمني إليك أكثر.. ضمني فقد سلبني الحزن كل قوتي.. ولم يتبقَ لي سوى نبضات قلب أمنحها إليك الآن.. أمسك يدي وقبِّل شفتي.. حبيبي.. قبِّلني.. إلى أن تعلن لحظة مماتي بين أحضانك الدافئة.. قبِّل شفتي.. اللتين أخفتا أسوار قلبي.. وأغمض أجفاني الذابلة بأصابعك الناعمة.. قبِّلني يا حبيب نفسي.. قبِّلني يا فارس.. وضعت تيام يدها صورة فارس في يدها ومدتها فوق صدرها وألقت بنظراتها نحو عيناه ولوّت عنقها نحوه، واقترب فارس إلى حبيبته وألقى شفتيه على شفتيها الباردتين. وألقت تيام صدرها على صدر حبيبها، فتصاعد الدم إلى وجهها وصبغ بشرتها بلون قاتم، وكبرت عيناها وجمدت أجفانها محدقة وقد انبثق أمامها عفريتاً وجاء ليخطفها. وما زالت نظراتها ممتدة إليه، نظرات تذيب الفؤاد وتثير الشجون، والدمع السخيط يتساقط كالمطر من مقلتيها. وهنا علم الجميع ألاّ حيلة لهم فيما قضى الله وقدره، وأن الفتاة الشابة في ربيع عمرها قد نفضت يدها من هذه الحياة إلى الأبد. فارتمت أعضاءها وانفصلت شفتاها عن شفاه فارس وابتدأ المساء يحيك من خيوط الظل وسكون الليل نجوماً للسماء، فتنسكب الدموع متكلمة عن كل أمازيج الحزن والكآبة التي سيطرت على الجميع من الحاضرين الواقفين وقفة تأبين، منعقدي الألسن لوعة وأسى. بعد أن أرسلت آخر أنفاس تيام لأخيلة هذا الليل الحزين.. أما فارس فصرخ جذعاً وركع بجانبها وطوقها بزنديْه المرتجفتين وأخذ يستفرغ الدموع من عينيه، وبصرخات النحيب وبصوتٍ عميق جارح من صميم الكبد قائلاً: - تيام.. حبيبتي.. لا تتركيني أجتر حزني.. أنازع حياتي نزاعاً مراً متواصلاً وأصارع عواطفي.. تيام أحبك.. عودي إليّ.. وإذا كان الموت سيقربني منك فخذيني إليكِ لأبقى بجوارك.. وهذا ما أرجوه وآمله.. تيام.. لا خير لي في الحياة بعدك.. وما أشوقني إلى الذي يدنيني منك.. آه حبيبتي.. لم يصدق المسكين أن تيام بين يديْه أصبحت جثة هامدة لا حياة في روحها.. فحركها وهو لا يصدق ما يراه أمام عينيه.. فإذا هي ميتة، هاله الأمر مرة أخرى وتعاظمه، وشعر بقلبه يتمزق لوعة وأسى، وبنفسه تسيل رحمة وإشفاقاً. ولم ينقضِ اليوم حتى دُفنت تيام تحت شجرة وعلى ضريحها كتب فارس: هنا ترقد فتاة ماتت غرقاً في محبرة.. إنها جريحة الحب وشهيدة الغرام الصادق.. إنها تيام.. مرّت الأيام والسنين وما زالت الذكرى متأصلة في قلب فارس لا تفارقه للحظات من حياته.. فلم يسدل ستار النسيان على الماضي كله، الجميل منه والبغيض.. كان كل يوم يذهب لهذا القبر ويرطب ترابه بدموعه المتسلية بغزارة يرثي حبيبته ويخبرها كل ما يحصل معه من أحداث.. ويحدثها عن كل شيء كانت تحب أن تتابع أخباره. لم يبقَ من ذلك الحلم الجميل سوى ذكريات موجعة تثير تنهدات الأسى في أعماق صدره، مستقطرة دموع اليأس والأسف من أجفانه.. وتيام.. تيام الجميلة العذبة قد ذهبت إلى ما وراء الشفق الأزرق ولم يبقَ من آثارها في هذا العالم سوى غصات أليمة تنبض في القلب وقبر رخامي منتصب.. وأشعار مدونة في دفاتر الأحزان.. فذلك القبر وهذا القلب هما كل ما بقي ليحدِّث الوجود عن تيام. أما غصات هذا القلب وأوجاعه فهي لا تتكلم.. هي التي تنسكب الآن مع قطرات البحر السوداء معلنة للنور أشباح تلك المأساة التي مثَّلها الحب والجمال والموت. وفي أحد الأيام مرَّ فارس بتلك المقبرة وهو يسير ببطء، دخلها وهو صامت ووقف متهيب بجانب قبر تيام وحيّا التراب الذي ضمَّ جثمان حبيبته وقال بتنهيدة طويلة: "هنا دُفِنْتِ حبيبتي.. ودفنت معك كل آمالي.. هنا توارت الأماني وانزوت الأفراح.." بعد أن أنهى جملته هذه غارت دموعه واضمحلت ابتسامته ونمت كآبته مع هذه المدافن الخرساء.. وترك روحه تستأنس بالذكرى تردد مع أشباح الوحشة ندبات الحزن والأسى وتركها تتحدث مع روحها التي أصبحت اليوم سراً صامتاً في صدر الأرض بعد أن كانت في الماضي نغمة شجية بين أحضانه وبين شفتي الحياة.. وجلس بجانب قبرها يرثي حبيبته قائلاً: يوم اشتياقي لكِ حبيبتي في يوم اشتياقي لكِ حبيبتي.. أمدُّ يدي لألمسك فتضيع يدي بين طيات التراب.. أعيد المحاولة يحدوني الأمل فلا أرى سوى سحابة صيف عابرة وخداعاً بصرياً.. آه... إني أحمل في صدري كل أوجاع التاريخ.. ولكني أغمض عيني لأمسكِ ذكرياتي.. أرسمكِ آية الطهر في خيالي وأشعر بكِ تلامسين شعري وأستحضرك أمامي.. حبيبتي.. آه يا حبيبتي.. كم هو هذا العالم باردٌ بلا وجودك معي.. كم هو فارغ.. حزين.. أجوف بعيداً عنكِ.. كم هو مزيف مليء بالخداع بعيداً عن صدقك.. أشعر أني لا شيء في هذا العالم.. بدونك.. أشعر أن قلبي توقف عن الخفقان.. أشعر أن لا حب.. لا حنان.. بعيداً عن حبك وحنانك.. تيام... حبيبتي.. يا أيها الدفء الذي غادرني.. وترك حياتي بعده في فراغ البرد وعمق الأحزان.. أيتها السماء الصافية التي رحلت عني.. فأصبح عمري بدونك سماء ملبدة بالغيوم والضباب.. تيام.. حبيبتي... أيتها الطريق المزهرة الخضراء والطموح الذي خلفني.. حتى بقيت أيامي بلا طموح.. أنت حبيبتي.. الغصن الدافئ.. الطاهر.. الحنون.. آه لو تعرفين كم أحنّ إلى لقياكِ.. كم أتمنى أن أعود طفلاً لأنام بين ذراعيك.. أن يتناثر شعري بين ثنايا أصابعك.. أن تتعلق عيناي بكل ثنايا صدرك.. أن أتعبد في محرابك الرائع.. أن أسمع صوتك.. حديثك وعذوبة غناء أشعارك.. وذاك الوجه الجميل الرائع.. الذي لا أستطيع أن أزيله من تفكيري.. أن تضميني إلى صدرك.. وأضمك إلى صدري.. أن أرحل إليك.. من هذا العالم.. أن أستنشق رائحة عطرك.. أنهى فارس رثاءه.. فوضع إكليلاً من الأزهار على قبرها لتكون كقطرات الندى التي تسكبها أجفان الصباح بين أوراق الوردة الذابلة. وحلَّ فارس يعيش كجثة هامدة باردة فوق التراب، زمن مضى وأعوام مرّت كأنها طوفان غمر المساحات وعبث بالشجيرات ونكس رؤوس الزهرات. زمن كتبت فيه الذكريات أجمل وأتعس قصة حب، عرفها من عيون فارس كل من حوله من بشر. زمن لا يعرف الفرح الطويل ولا الإغفاءات الهاربة من سهد الحزن، حتى كان وجوده لغم ونغم قنبلة.. ووردة حزن وفرح، تناقضات عجيبة رسمت حضوره بوعي ولا وعي.. بإدرا ولا إدراك..! كان فارس ينشر بأوقاته ضوء المساءات الحالمة.. وأصبح يعيش بزمن مخادع سرق من أحلامه حضور الصدق.. إذ كان للزمن وقفات صارمة في محطات عمره ففقد حبيبته وأعز ما يملك.. ضاعت منه موهبته، صار لونه الموت ومرارة التعب صوته، كثرت أحزانه وتوالت المصائب تتراً إلى بوابة عمره وهو لا زال نغم ولغم، حتى أفاق هذا الصباح وبدقات متواصلة قفز صوته صاعقاً.. محباً.. كارهاً.. خائفاً.. آمناً... وكأنه يهطل مطراً، ينزل صوتاً صاعقاً.. مباغتاً.. مفاجئاً. وهكذا مضى يسرج من هذا الصباح خيلاً يعدو في تأملاته وأفكاره وأحلامه.. هل يعيد نظرته للأمور بعد أن عاش واقع أسود لا يقبل التعاسة من جديد..؟! بينما كان فارس على هذا الحال يجلس بوحدته في البيت وفي ذاك الصباح قال منادياً بحنان وعذوبة الألحان: تيام حبيبتي.. ابنتي العزيزة.. تعالي معي سنذهب لمكان لم تعرفيه من قبل.. دعيني آخذك إليه الآن.. هيا بنا.. يا صغيرتي... هناك حيث السكون وخرير المياه، تقبع أجمل ذكريات العاشقين فارس وتيام.. حيث الشجرتين المزدهرتين.. حيث أنفاس تيام المحبة الصادقة.. حيث كل نبض الحب، جلس فارس تحت شجرة تيام يتلمس عليها الكتابات والرسومات التي نقشتها تيام في أيام الحب والوصال، ونظراته منتصبة نحو تلك الصخرة.. صخرة اكتشاف الوفاء الحب، وبات يتخيل تيام حبيبة قلبه جالسة عليها تتأمل لهو تيام الصغيرة في مخدعها.. حتى قال لابنته التي بلغت العاشرة من عمرها: - تعالي أقص عليك قصة فتاة تدعى باسمك تيام وشاب اسمه فارس.. هي قصة حب.. جمعت بينهما في هذا المكان... هنا حبيبتي عاش الحبيبين أجمل لحظات حياتهما.. ففي أحد الأيام.. وفي شهر نيسان جاءت تيام إلى فارس وسألته هل تحب هذه البلاد..؟...... الـــــــــــــــــــــــنـــــــــــــــــهــــــ ــــــــــــــايــــــــــــــ ـــــــــــة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه للموضوع: جريحة الحــب
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| •.♥.•° (*..هولاء أتشرف بفراقهم..*) °•.♥.•° | طريح الهوى | الحوار العام | 5 | 16-04-2007 24- 23:22 |
| أغرب خبر في جريدة عن السعوديين والشاهي!!!!!! | dosss | رجيم - رشاقة دايت | 3 | 14-04-2007 24- 11:36 |
| برنامج ( سيــرة الحــب ) للدكتـورة / فــوزيـة الـدريــع | بوعبدالرحمن | الحوار العام | 11 | 06-02-2007 24- 12:15 |