| ||
| ||
|
|
|
|||||||
| التسجيل | التعليمـــات | البحث | مشاركات اليوم | اجعل كافة المشاركات مقروءة |
| القصص و الروايات ما يبدعه قلمك من القصص والروايات |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
#16
|
||||
|
||||
|
الحقيقة إن تيام تعد الثواني التي تفرقها عن فارس.. وتنحصر مخيلتها وتفكيرها وحياتها، في الطريق المؤدي إلى ساعة، في الماضي كان يوم اللقاء من أسعد الأوقات.. إلا أنها وفي هذه اللحظات بالذات شعرت بانقباض، وكأن يداً فولاذية تعصر قلبها.. شيء لا تدري ما هو، فيمتد كالأصابع، يحاول خنقها.. مع أن هذا اليوم كتب لقاء فارس.. انطلقت بها السيارة تنهب الفضاء، وتسابق الريح. ما أشد حنينها إليه، وما أكثر شوقها، ومزق الصمت الذي تعيشه تيام صوت الفرامل لتعلن الوصول فقطع عليها أفكارها وخفق قلبها. وعاودتها ذكريات الوداع فنهشت قلبها حتى سح حنيناً دافقاً. ثم حدث ما لم يكن له حسبان، إذ كانت ستدق باب بيت الخال لتدخل، حتى توقفت يدها عن الحركة حيث فوجئت بنقاش يدور بين فارس ووالده يتنازعان حديثاً، شعرت بأنه ذا بال، حين أنصتت للحديث إذ سأل الأب فارس: - ألم تفكر في الزواج يا بني؟ فاضطرب فارس وشعر بما يشبه الذعر، ثم غمغم قائلاً: - كلا... فرفع والده حاجبيه مستنكراً وقال: - وفيم تفكر إذن؟ ولماذا تعيش؟ وهل تظن للرجل من غاية، خاصة إذا كان مطمئناً على مستقبله، سوى الزواج؟ وتردد فارس قليلاً ثم قال بعد أن تذكر تيام: - هنالك الكثير من الواجبات التي أخذت عهداً على نفسي أن أقوم بها قبل الزواج. ثم صارحه بأنه ما زال أمامه الكثير من سنوات حتى ينهي تعليمه ويتخرج، فيبني مستقبله ويكافح ويخوض المعركة في العمل وشق الطريق. وكان فارس يتكلم مستعيناً بالمبالغة حتى يقوي مركزه حياله. وأصغى الأب باهتمام حتى انتهى من قصته، ولكنه لم يبد عليه الاقتناع، ولم يكن على استعداد للاقتناع بما يحول بينه وبين الزواج. ثم هز رأسه باستهانة وقال: - أراك تبالغ في تقدير خطورة أحوالك، إنك متحرر من تلك المسؤولية التي وصفتها، لديك المال الكافي يغنيك طوال حياتك التي ستعيشها مع زوجتك وأولادك، فإن استكملت تعليمك أو لم تكمله فإن مستقبلك مضمون فلا تخف من هذا الشأن وبهذا المقدار، فلماذا تحمل نفسك أكبر مسؤولية أنت بالغنى عنها. فضحك فارس بارتباك وقال: - ولكني مصمم على استكمال تعليمي.. وشق طريقي بنفسي فأكون شخصيتي بذاتي وبكدي ونشاطي. فعاد الأب يقول هازئاً: - اسمع يا بني.. إذا كانت لك أهداف في الحياة تريد تحقيقها، فأنا لا أرضى بأن أكون حاجزاً أمامك لإعاقة كل ما تريد تحقيقه من مشاريع في هذه الحياة، ولكن هذا لا يمنعك من الزواج، حتى لو أصريت على تكملة تعليمك فأنا أحترم قرارك وأقدره بل ولي الشرف بذلك، لكنني لا أرى لك سبباً تعارض به زواجك، أجل لا يحق لك أن تحرمني الفرحة التي أتمنها.. فرحتي بك وابنة عمتك..! ووجد فارس حديث والده مؤثراً أكثر منه مقنعاً، وعندما سمع من والده الحديث عن ابنة عمته، شعر بالفرحة تعم جسده وتذكر تيام.. أما هي وكانت ما زالت تنصت لهذا الحديث فقد أحست بابتسامة قلبها مع شفاها تختلج في تكوين كآبتها لتطرده بعيداً عنها وأكمل فارساً حديثه مبتسماً معلناً الرضا وتبدو عليه إشارات الحياء الشديد: - أبي العزيز هل وافقت على ما طلبته منك وحدثتك به قبل أيام.. وأعتقد أنه أصبح من الممكن أن أحقق كل آمالي التي أحلم بها ودون أن أقضي عليها، ما دمت قد ذكرت في الموضوع ابنة عمتي.. وما دمت وافقت على زواجي من حبيبتي تيام... وسأطلب منك أن يكون الزواج في أسرع وقت، أو حتى في نهاية هذه السنة إن أردت... فضحك الأب عالياً وقال: - تيام...! وما دخل تيام في هذا الموضوع أما انتهينا من تلك القصة وقلت لك بعدم الموافقة على علاقتكما... وعلى هذا الحب الفاشل.. حب المراهقة الذي تعيشانه أنت وهي. وتظنون بأنكما ستبقيان عليه مدى العمر.. فارس إنك تعطي لهذا الموضوع أكثر مما يستحقه.. وأظنك سمعت رأيي به ولن أغيره أبداً.. فقد قصدت في حديثي أمل.. ابنة عمتك المتوفية.. فقد عدَّت أولى خطى الشباب.. وقبل وفاة والدتها صرحت لي عمتك بأنها تحلم بأن تراكما معاً تحت سقف واحد. وفي آخر حديث لي معها قالت لي جملة لا أستطيع أن أنساها.. أو حتى أن أتجاهلها. وقد انتظرت الوقت المناسب لكي أقولها لك وهي: " أخي لا أرى أحداً غيرك أوصيه على أمل لما تعانيه من عذاب.. إنها واقعة بحب فارس ابنك حباً كبيراً، وقبل موتي أريد أن تكون واصياً عليها فحنانك قادر بأن يسعدها بعد موتي. فحاول أن تكون المقرب بينها وبين فارس، ولطالما حلمت أن أراهما يعيشان في عش الحياة الزوجية تحت سقفٍ واحد." عندها يا بني وعدتها أن أزوجكما لبعض مهما كلفني ذلك من أمر. نعم قالت لي هذا الكلام والموت قد ذكرها. أرجوك أن تعي ما قلته لك الآن وأن تشعر بي وبالألم الذي أعيشه، فتستريح عمتك في موتها وتختلج روحها بالسعادة والطمأنينة على ابنتها في ظلمة قبرها. كان فارس يستمع لحديث والده ودموعه تتساقط من على وجنتيه، ولم يعد يعرف ماذا يفعل فالحيرة تتراقص أمامه. إنه يعشق تيام ولكن ماذا عن حلم عمته قبل موتها ووعد والده لها.. وماذا عن أمل المسكينة.. وحتى والده يرفض فكرة زواجه من تيام بشكل قوي.. فليس من عادته حب النفس فكيف له أ، يحقق آماله على حساب آمال الآخرين. إنه يحب والده ولا يرفض له طلب. لكنه لم يشأ أن بقطع هذا النقاش بالرفض فينقسم ما بينه وبين والده من أسباب المودة والاحترام والحب. صمت فارس وقلبه يتلجلج من اللوعة والحسرة والتنهدات تخرج من صدره كالأشواك، وعندما بلغ هذا الحد من التفكير تداعت إلى نفسه مشاعر الخوف التي كانت تعذبه في تلك اللحظات من لحظات أخذ القرار، أجل لقد وقع في خوف كبير ارتعدت أوصاله من شدته.. أواه لشدة ما يشعر بغمز الألم في صميم قلبه، وهو يجتر ذكريات الحب وأيام السعادة مع حبيبته تيام، ومن خلالها يتراءى لعينيه وجه تيام المعروق الجاف كمثال حي للصبر والألم عندما تعلم بهذا الخبر، إن وجهها أحب الوجوه إلى قلبه على بؤسه ودمامته. فما أشد حنينه إليها، وما أكبر شوقه إلى أن يضمها إلى صدره. ومزِّقت لحظات الصمت هذه، جملة قطعت عليه أفكاره وخفق قلبه قال بها: - أبي... ولكن ماذا عن تيام وإحساسها.. ألا تخاف على شعورها مثلما تخاف على شعور أمل.. أليست هي كذلك ابنة أختك.. ألم تفكر بها ولو للحظة.. ماذا سيحل بها.. فأنت لا تعلم بمعنى الحب الذي جمعنا طيلة سبع سنوات.. أتريد أن تبني سعادة أمل على تعاستي وحرمان تيام.. أمل تحبني كما ذكرت ولكنني لا أكن لها حتى ذرة من العشق, فحبي لها لا يتجاوز أكثر من حب واحترام الأقارب لبعضهم.. والفرق بينها وبين تيام كبير فهي تحبني وأنا أحبها.. فأنا لا أقدر على جرحها.. ستظلمها يا أبي وتظلمني... وأجهش فارس بالبكاء, إذ لم يتمالك نفسه.. أما الأب فلم يبالي ببكائه بل أكمل حديثه قائلاً: - كفاك يا فارس هزلاً.. ومن هذه تيام لتنهار دموعك لأجلها بهذا الشكل.. ألا تخجل من نفسك.. انصرف فلم يعد لي كلام معك بعد الآن.. ولتعلم بأنك إن لم تلبِ طلبي هذا فلا ترني وجهك بعد هذه اللحظة, وابحث لك عن بيت آخر ليأويك.. وإن غضبي عليك سيبقى حتى الأجل. - أبي.. أنا لا أستطيع أن أغضبك.. ولكنني أحملك نتائج هذا الظلم وهذا القرار وأظن أن تيام لا تستطيع أن تحتمل صدمة كهذه, إنها أشد الناس حساسية, وإن جرى لها شيئاً لن أسامحك... - تيام.. تيام.. تيام.. لا تخف عليها إنها انسانة بسيطة طيبة القلب.. لا تكن أي كره لأحد ولا بدَّ وأنها سترضى بكل شيء فلا تهتم لها ولا تعتل همها... فصمت فارس قليلاً وكله عجب من كلام والده عن حبيبته تيام, فهو لم يعهد والده بهذه القسوة, فأجاب والكرب بادي على مقلتيه واليأس متأصلاً في ملامحه قائلاً والدموع تترنح على وجنتيه المصفرتين: - أبي.. صدقت إن أمل فتاة رائعة، وليس لها مثيل، لا بد أنها ستكون زوجة مخلصة، فأنا موافق على كل ما تريده مني وليكن الزواج في الزمان والمكان الذي يحدده لسانك. أوليس هذا ما تريده..؟؟! - عرفت أنك لن تخذلني يا بني العزيز... أما تيام المسكينة فلم تكد تصدق ما سمعته أذنيها، ثم غشيت قلبها سحابة مظلمة من الوحشة والكآبة فقالت لنفسها تصبرها وتعزيها: أخاف من هذا اليوم بأن يكون الضريبة الأولى للفراق القريب فيهون الحب رويداً رويداً.. واحتارت فيما ستفعله..؟ وما شعرت إلا وروحها تركض لا تعرف كيف..!!، حتى أوصلتها قدميها إلى مخدعها، تجلس على صخرة اكتشاف الوفاء تتأمل مياه النهر وهو يفيض بأحزان قلبها ودموع عينيها. وما أن مرت بضع دقائق حتى رأت هيئة فارس تتمثل قبالتها. انقضت تيام راكضة نحو فارس, تحضنه فيقبلها... وأعينهم قد أدمعها الوجد. لو أتيح إلينا رؤية منظرهما الحزين, لكنا رأينا منظراً هائلاً مخيفاً جمدت له دماؤنا في عروقنا, ومشت له قلوبنا من صدورنا, وما نحسب إلا أنه ستمر بنا الأيام والليالي ولا نستطيع أن ننساه حتى تبرد أعظمنا في ثراها.. أجل إن لهذا المنظر تأثير أكثر من قعقعة عاصفة عظمى, التي تنبعث من جميع جهات هذا المكان وكأنه البحر الهائج في آن واحد. وكان اللقاء في تلك اللحظة قد بلغ أشده كالموج الذي يرتفع ارتفاع الجبال حتى يصك بمنكبه منكب السماء, ومن عظمة الذعر الذي انتاب الحبيبين. لم يعلما بعدها أهم واقفان في أماكنهم, أم طائران في جو السماء..؟؟ وهل طغى هذا اللقاء على حبهم فأحاله الفراق, أم لا يزال اللقاء لقاء والفراق فراق..؟؟ وبينما هم ذاهلون على أنفسهم, وعن كل ما يدور حولهم, إذ طرق آذان فارس صوت عظيم فاستفاق.. هو صوتها قائلة وهي تبكي: - لماذا كل هذا الظلم.. لماذا كتب علينا تذوق كل هذه اآلام والجروح.. لماذا يقسو علينا القدر بهذا المقدار..؟؟!! - تيام كلامنا لن يجدي نفعاً.. نحن انتهينا.. نعم انتهينا.. والقدر هو من دون هذه النهاية وأنت تعرفين السبب وقد شرحته لك في لقاؤنا السابق... - حبيبي فارس.. كفاك كذباً.. لماذا ما زلت حتى الآن تحاول إخفاء الحقيقة عني..؟؟ لماذا يرفضني والدك ويفضل أمل عليَّ..؟؟ لماذا يريد هدم سعادتنا بيده هكذا.. يريد أن يحرمنا من بعض..؟؟ - لا يا تيام لا تظلمي والدي ولا تعاتبيه.. بل عاتبي الظروف.. عاتبيني أنا.. فأنا الجبان الذي لا يستحق حبك.. فأنا من ظلمك وليس أبي.. كان بإمكاني أن أرفض اقتراح أبي.. أن أكلمه عن حبنا أكثر.. عن قصتنا الجميلة, أن أدافع عنك حين رفضك.. أن أتلرك البيت وأبقى معك... - لا يا فارس لا تلم نفسك.. إنني أفهمك.. كيف كان لك أن تقف أمام إرادة والدك, وكلي دراية بقوة تعلقك به وحبك له, فلا تستطيع أن ترفض له طلباً.. أنا آسفة على ما قلته من كلام على خالي فأنا أحبه كما أنت تحبه وتوقره.. فحبي له بمثابة حبي لأبي. وأنا أيضاً لا أرضى أن أخالف إرادته فهو عزيز علي أكثر من والدي. وكلي رضا بحكمه علي بهذا الشكل والظلم. وأخذ الإثنين يتفحصان بعض بنظرات كئيبة في اهتمام ووجد واضطراب, مركزا الفكر يستعينا بالسكون الذي يخشى المخدع.. لا يخدشه شيئاً إلا خرير الماء الحزين وأصوات العصافير الكئيبة. فسلما سريعاً بمجامع نفسيهما وجاش صدريهما بالحنان ونديا بالعطف وهفا قلبيهما نشوة للحب والحياة, إلا أن تغمرهما موجة الفراق فتملأ حياتهما يأساً, فيتمنيا لو أن الزمان يكون غير هذا الزمان فينطلقا إلى الخلاء يتلفعان بالظلام ليغيبا عن أنغام الحزن, حتى يصلا إلى أبواب جنة عامرة بالأحلام والرؤى السعيدة, وتفتح أبوابها بأرواحهم المحبة. تفحص فارس حبيبته بنظرة كئيبة ثم تمتم قائلاً: - عزيزتي تيام, إني آسف جداً لأني أغضبتك وأغضبت ملاك حبنا, فأخفيت عنك الحقيقة. - فارس يا ملاكي أيحق لي أن أغضب منك وأنا أحبك.. - والله فعلت ما فعلته فقط لأنني أحبك وسأحبك ما حييت, ولا حياة لي إلا برضاك عني. - أتسأل مني الرضا يا حبيبي وأنت كل حياتي, فاليوم سيكون يوماً ليشهد على فراقنا, وقلوبنا يملأها الحب والحنين أكثر من كل يوم مضى. وبعد الرحيل القريب ماذا سيحل بي..؟؟ بعد الرحيل |
|
#17
|
||||
|
||||
|
من أنا ومن أكون..؟! أنا دمعة بائسة حزينة.. ماضٍ لا يعدو سوى ذكريات سعيدة معك وحاضري دموع وآهات وأنين.. وغدي المستحيل..!! تتقاذفني الأقدار في مختلف أركان العالم.. وكلما هبطت في أرضٍ لا ألبث إلا قليلاً.. حتى تضيق بي وأضيق بها.. فلقد كنت دائماً أريد الحياة وأبحث عنها ودائماً أصحو بعد قليل.. فإذ بي أجد نفسي حلماً وخيال.. لا يروني الناس إلا كتاباً مغلقاً.. وصدىً يتردد عبر ذاكرة الحياة الممتدة في جسدي ألماً.. وفي نفسي حزناً يأساً.. أردد أقوال الحكماء والشعراء.. لكي يفرح الناس ويسعدوا.. وأنا في حياتي لم أذق طعم السعادة إلا للحظات قليلة.. تلك اللحظات التي شعرت بها عندما كنت أراك.. وعندما كنت تشاركني في رأيي وتدبيري.. عندها وجدت عندك ما عجزت أن أجده في الكون ووسعه.. ولكنك الآن سترحل..!! وما أشد حاجتي إليك.. وإلى ابتساماتك الندية التي تشع فرحاً وطمأنينة وحباً.. فتزيل بها همومي.. وألبس رداء السعادة الأبدية.. ما أشد وحشتي أن أرى.. الفضاء ضيقاً.. والهواء ثقيلاً.. والقمر خافتاً.. إن قلبي يتمزق.. وتثور في نفسي فنون كثيرة من المعاني.. فذراك محفور في قلبي.. وكيف أنساك وأنت أول وآخر حب.. وبعد فراقك لا أطلب إلا الموت.. لعلي أرتاح من هذا العذاب.. لكن..!! عزائي الوحيد.. حبيبي.. فقط أن تذكرني.. لأني ما زلت أحبك يا فتى الشمال.. يا فارس الفرسان.. - وأنا حبيبتي.. تراكِ تعرفين ماذا سيحل بي بعد الرحيل. حبك هو مجدي وقدري.. ضاع الزمن في نظري بعد أن علمت أنك قدري.. فبعد الرحيل كيف بالله أكون فوق قدري.. بودي البوح لكن الظرف يقهرني.. بودي أضحك والحزن يدمرني.. بودي أنطلق ولكم الظلم يظلمني.. أبحث عن حنان وليس هناك من يحضنني.. أركض على أوهامي ولا ألقى من يرحمني.. أضيع في عينيك واللقاء بك يهجرني.. أبتسم لكِ والحب يجبرني.. أتوه بنظراتك أموت كل لحظة.. إذ لا أستطيع أن أضمك.. - كلانا يتعذب ونرضى بهذا العذاب، فالحب علمنا التضحية من أجل إسعاد الآخرين من حولنا.. خالتي المتوفية.. الخال العزيز الذي رفضني.. وأمل المسكينة التي تحبك وتعيش في صدك وجفاك.. أجل إن هذه اللحظة التي ستقتلنا أنت وأنا، ستحيي في نفس الوقت السعادة في نفوسهم.. فليكن فراقنا جميل كمعنى التضحية وتعيساً كمعنى الفراق. أما الآن فأطلب منك أن تقسم باسم الحب الذي عشناه وعلى صخرة الوفاء بأنك ستعيش مع أمل وتقدم لها السعادة والإخلاص الذي منحتني إياه، وأن تحبها مثلما أحببتني بل وأكثر من ذلك، وتذكر أنك إن أغضبتها يوماً أو حتى ظلمتها فإنك تغضبني وتظلمني أنا. فلا تجعلها يوماً تشعر بالوحدة والألم، امنحها حنان الأم الذي فقدته وكن لها الأخ والصديق والحبيب الذي تمنته، كن لها الزوج المخلص.. فرضاك عليها من رضاي، كن الشافي لها من كل الآلام التي ذاقتها من مرارة الأيام.. فهي ستكون بعد هذا اللقاء حبك الحقيقي وحبك الأخير ولست أنا.. ومن لحظة فراقنا في هذا اليوم سينتهي دوري في حبك.. سأكون أنا الماضي الحزين الذي لا رجعة عليه.. وهي المستقبل الحافل بنجاحك وسعادتك.. هيا عدني بأن تفعل كل هذا وتحققه في حياتك الجديدة مع أمل. قالت تيام هذه الكلمات وقلبها يدق بعنف يكاد تصدع له الضلوع بعد أن دعت له بالتوفيق والسعادة بكل رحابة صبر وعقلانية.. وماذا عنها هي..! هل سيأتي يوماً عليها تتذوق به طعماً للسعادة التي ستفقدها الآن..؟! أما هو فقد غشيته كآبة ثقيلة، لأنه كان يقف منها موقف التوديع الأخير الذي لا رجعة عنه في حياته، وقلبه يغمز غمزاً قوياً، يعز عليه كثيراً.. موقف حبيبته وهي تسلم دورها البطولي لفتاة أخرى وتضمن لها مستقبلها وترضي جميع من حولها لتقف هي على منبر الاحتياط فتكون الضحية التي تدفع الثمن وتقع في دوامة لا مخرج منها.. منزوية عن الناس بين البؤس لا يخالط فكرها إلا الهم والكرب. وضع فارس يده على الصخرة وكأنها أداة كهربائية تتحرك بجهاز التحكم عن بعد قائلاً بأسفٍ وارتباكٍ ودون وعي: - أقسم لك يا حبي الوحيد.. أن أُملي حياة أمل بالسعادة والهناء وأن لا أجعلها تحتاج يوماً لأحد غيري وبحبنا الكبير أقسم أيضاً أن أذكرك دوماً وأن لا تفارق ملامحك أفكاري.. فإن نسيتك يوماً نسيت نفسي.. وأقسم بألا يفارقني حبك ما دمت أعيش مع أمل. - لا تقسم بالبقاء على العهد.. أو لتبقى على ذكراي، فلا أريد أن تكون له حافظ بل سأدعو لك نسيانه، وفي كل ليلة سأناجي القمر ليساعدك على النسيان وفي كل مساء سأصلي لأن تنساني. - إنك تتكلمين عني وعن سعادتي.. ولكن ماذا عنك..؟!! - لا تسلني عن حياتي الآتية.. فليس لي حياة بعدك.. سأحاول أن أسير على حاشية بعيدة عن الطريق المؤدية إليك، وإن استطعت أن أجدها عندها لا بدَّ وأن أصل لبر الأمان، وإن لم تتح لي القدرة على النسيان ومواصلة المسير سأشق طريقاً آخر ليوصلني إلى الراحة الأبدية. واستبد الألم داخل أكبادهم وجل صمت رهيب على المكان والشمس تغيب وتغيب ومعها يغيب الحب عن هذا الخدع بغياب المحبين عن بعضيهما.. ويعاني فارس وتيام من نفس الآلام التي عاشاها لحظة الفراق الأخيرة، وبعد أن قبَّلا بعضهما قبلة هي الأخيرة هذه المرة. وحلَّ كل واحد في طريق. وما أن ابتعدا عن بعضيهما حتى سمع صراخ في المكان بعد أن رسخت تيام لضعفها وهرعت نحو فارس راكضة متوجهة إليه صارخة: - فارس.. حبيبي.. فارس.. لا تتركني... فالتفت إليها فارساً وتوجّه هو الآخر عائداً إليها وقال: - حبيبتي تيام كيف لي أن أتركك الآن.. أنا لا أستطيع أن أحتمل دموعك.. إن ألمك سيظل راكداً في قعر قلبي.. - حبيبي فارس آسفة لضعفي دعني أتلو عليك آخر صفحة من ذكرياتي.. آخر صفحة من ذكرياتي لا تتركني وحيدة تحت زخات المطر.. وأصوات البرق والرعد وزمجرة الرياح.. أرجوك حبيبي لا ترحل الآن.. إني خائفة.. أرتجف.. أرتعد والقدر لا يبالي.. بالله عليك لا تنظر إليَّ هكذا.. خذني بين ذراعيك.. أخلع عن جسدي معطفي المبلل بدموعي واتركني ملتصقة بجسدك الدافئ لأستعيد صوراً من الماضي الجميل.. لا تتركني وحيدة.. أنتظر على أرصفة القدر ومحطات القطار لأني أخاف أن تسحق ذكرياتنا وتتناثر تحت عجلاته وتنطوي آخر صفحة من لنا.. وما أن سمع فارس كلماتها، قلب وجهه في السماء فطالع في صفحتها نظرة الغروب الشاحبة حتى لفها بجسده وهمهم قائلاً: - حبيبيتي فلنذهب معاً ونترك الجميع وراءنا، لنتزوج دون مساعدة أحد، ونبتعد عن كل الأقارب، لنرحل عن هذه البلاد وحدنا نحمل معنا حبنا في حقائبنا، فيكون لنا كل عائلتنا. |
|
#18
|
||||
|
||||
|
- ماذا تقول يا فارس.. أتريد أن نزرع الفتنة بين العائلة ونهدم كل سعادتها بأيدينا..!! لا.. لا أظنك تقبل بسعادتنا مقابل تعاسة الآخرين وهم أهلنا ولهم فضلاً كبيراً علينا.. - لا أتمنى أن يكون حبنا هو من يشتت شمل العائلة حبيبتي.. ولكني أحبك.. وعنتدما تعلو فكرة الوداع في مخيلتي أشعر بكراهية نحو الجميع.. نحو أبي الذي رفضك وفضّل أمل عليك. - لا أرجوك.. أنا لا أصدقك، فمن يحب يا فارس لا يعرف الكراهية، هيا دعني أرى ابتسامتك قبل الفراق.. واذهب الآن إلى خالي العزيز وبلِّغه أنك موافق على زواجك من أمل ابنة الخالة.. وبلغه تحياتي وقل له أن تيام تحبك جداً وتحترم رأيك. وصدقني سأكون أول شاهدة على هذا الزواج وأباركه لكما.. كما سأنتظر دعوة الفرح بفارغ الصبر.. ورفعت تيام يدين كالأشباح مسحت بهما دموع فارس وعانقته بقوة وقبلت وجنته وطيبت خاطره وطلبت منه مرة أخرى أن يرسم لها الابتسامة المعتادة ليزين بها ملامحه الحزينة.. وابتسم المسكين مجاراة لها، وليلبي آخر مطلب لها، فما اعتاد أن يرفض لها طلباً طيلة السنوات وكيف الآن وفي مثل هذه اللحظات الحاسمة. ومضى فارس يشق طريقه مهزوماً شاحباً مرتجلاً لا يعرف أين السبيل للعةدة، يحمل في لبه قلباً أثقله الهم والشك في أن يفعل ما هو ذاهب ليفعله. أما هي فلا ترى إلا الدموع سبيلاً للهروب وألماً للوصول.. وارتقت طريق العودة ممتعضة ذاكرة في ضيق زيارتها الأولى لهذا المخدع منذ سبع سنوات. لقد انتهى كل شيء بعد أن قال فارس لوالده ليكون زواجي من أمل في نهاية هذا العام.. أي بعد شهرين.. 19 المحبة الشاهدة على زواج حبيبها تمضي الأيام ومعها تغيب كل الأحلام، وعلى تيام حلت شقاء وويلاً، كان من أتعس الأشياء في ذهنها أن تتصور أن فارس سيغادرها ويكون ملكاً لفتاة غيرها. وإن حزَّ بها الأمر، لجت نفسها بالوساوس والهموم، فتلقي كل أثقالها وأعبائها لجدران غرفتها. ومع تقلب الدهر، وصراف الأيام وما يداولها في دنياها من بؤس وتعب، ويأس يغشى منهار الرجاء حتى يبدل حياتها إلى ظلام قاتم. جاء اليوم الذي ستكون الشاهدة على زواج فارس كما وعدت.. وآه من هذا الموقف.. لا أظنّ أن أحداً يتمناه.. فارس يجلس بجانبها.. فاتن بملابس العرس.. إنه العريس.. وهذه الفتاة بجانبه ترتدي فستاناً أبيضاً، إن لطافة المغيب وبهاء أمل شيء واحد، يرنو وجهها لبياض البدر، وثغرها كفتور الدرِّ، كانت ملتفة في فستان الفرح الأبيض وتنهدل على ظهره ضفيرتين من شعرها ويضفي شيئاً منه على بشرتها الذي يختلط بقليل من السمار، وفي عيونها السوداء نقاء وبهاء، هي ميالة إلى الطول نوعاً ما. يا لها من جميلة.. جمالها الذي جعل آفاق السماء إطاراً لصورتها. ومن شدة فرحتها يتورد وجهها، ومن شدة خجلها تخفض عينيها في حياء.. نعم إنها تحب فارس، تحبه بعقلها وإحساسها فنظراتها تدل على ذلك. أما فارس المسكين المغلوب على أمره، تارة أخرى يلتفت إلى حبيبته تيام ويعانقها في عينيه، ويلفها بنظرات حزينة. حان وقت تقرير المصير، ها هو الشيخ الجليل يسأل العريس.. هل تقبل بأملعروساً لك تبادلها الإخلاص والحنان والثقة..؟ صمت فارس قليلاً وفكر بسحب يده من يدِّ الشيخ ليمسك يد حبيبته تيام ويصرخ أمام الجميع أنا أقبل بهذه الفتاة زوجة لي.. ومع هذه الأفكار التي داولت مخيلته، ونظره ممتد نحو الضحية.. نحو هذه الروح الباكية والشخصية الضائعة.. نحو تيام المسكينة وقال بصوت خافض: - لا.. لا.. وصمت قليلاً وبدأ الجميع من حوله بالثرثرة والتساؤل..!! أما أمل فتغير لونها وامتقع وجهها من شدة الخوف، وفي الحال نظرت إليه تيام نظرة عتاب، فحركت له برأسها لتعلمه على أنها لاتوافقه فيما يفعل. واستمرت بتلك النظرات حتى قرأ فارس بها، الوعد الذي أخذه على نفسه عند صخرة اكتشاف الوفاء، ولم يمر سوى لحظات قليلة حتى أكمل فارساً قوله مصححاً به الخطأ الذي بدأ به: - لا ولن أوافق على زوجة لي سوى أمل، لتشاركني حياتي. ثم أطال النظر نحو أمل وبادلها ابتسامة طويلة، لكن في هذه المرة كان يختلط بها بعض المودة. أما تيام فتنهدت تنهيدة عميقة بعد أن اطمأنت على مستقبل العروسين، وجاء دورها بالحديث فقالت: - أما أنا سأوقع هنا بأنني الشاهدة على هذا الزواج المبارك.. زواج أفضل شاب في هذا الوجود هو أنت يا فارس.. يا ابن خالي، على أجمل فتاة رأيتها في الكون أنت يا أمل.. فهنيئاً لكما وأطلب من الله أن يوفقكما ويجعل حياتكما أسعد حياة. أنهت تيام كلامها هذا ونزلت من عينها دمعة حارقة، تكاد تلهب النار على وجنتيها، وانتبه فارس لهذه الدمعة الهادئة الصارخة وقال لتتحاشى تيام الأسئلة من غيره وكأنه لا يعرف سر بكائها: - أنت تبكين يا تيام.. نظرت إليه تيام بعيون حزينة وثغر مبتسم وأجابت: - لا تقلق يا فارس.. إنها دموع فرحتي بكما فقط لا غير.. وهرعت نحو أمل مسرعة وقبلتها، وقدمت لها التهاني وطلبت منها أن تحافظ على فارس وتحرسه من كل سوء، وبعدها تحولت نحو فارس وأوصته كذلك على أمل.. انتهت مراسيم تسجيل الزواج صفق جميع من حضر هذا المشهد وصرخوا قبلة.. اقترب العروسان من بعض وانقض فارس على أمل وهو يسدد ثغره صوب شفتيها. أما تيام فانتفضت من مكانها وتقهقرت فزعة حتى لمح في عينيها غضباً يتقد فارتدَّت مرتبكة وتحولت في خطوات ثقيلة، يلوح في مظهرها الارتباك واليأس فيمزق قلبها، فتنبهت لنفسها الثائرة وعضت على شفتيها، ولم تنبس بكلمة، وبقيت تتابع هذه القبلة التي شرحت صدوراً كثيرة بالفرح وأغلقت بالحزن على صدرها. خرج العريس والعروس من المكان يتبعهما المهنئين الفرحين وآخرهم كانت تيام، يتقدمهما المصابيح الملونة وأغاني السرور، فاعتلى العروسان مقعداً مرتفعاً وجلس المدعوون أمامهما حتى غصت تلك القاعة الواسعة بأشكال الناس. وعلى ألحان الموسيقى ومع همس أوتار العود أخذ الجميع يبطنون صدورهم بتلك الألحان المنسوجة مع باقي الآلات الموسيقية. كلهم يرقصون فرحة فارس وأمل إلا تيام كانت تنظر إلى هذا المنظر بعينين كئيبتين، مثلما ينظر الأسير البائس إلى جدران سجنه السوداء. تتلفت بين الآونة ةالأخرى نحو زاوية من زوايا تلك القاعة حيث يجلس فارس وعروسه أمل منفردة عن الناس المغتبطين الفرحة إنفراد الطائر الجريح عن سربه، تحاور نفسها بين البقاء والصمود حتى انتهاء هذا الاحتفال، وبين الفرار من كل هذا العذاب. انتصف الليل وتعاظمت غبطة الجميع وتعاستها، وتركت كل شيء في هذه القاعة المملوءة بالفرحة محدقة إلى شيء غير منظور في أركان هذه القاعة، كأن روحها انفصلت عن جسدها وسبحت في الخلاء تتبع كل أشباح الدجى، أما جسدها نراه مرة راقصاً مع العريس وأخرى مع العروس.. وثغرها مرة مبتسماً مع ذاك وضاحكاً مع تلك.. أما غالبية المرات فكانت جالسة على كرسي قريب من مقعد العروسين تتأمل فرحتهما. وفارس بين الحين والحين يبادلها نظرات الأسى والعزاء لحبهما. وهكذا انتهى هذا اليوم يعلن به اسعد زواج لأمل وأتعس حياة لفتاة مثل تيام. --------> يتبع |
|
#19
|
||||
|
||||
|
20 الهزل والمرض المطر الشديد.. إنه يهطل بغزارة، يدق الببان دقات قوية فيجزع القللب الراسخ في تلك الغرفة، يشعر بحاجة إلى من يسقي حاجته الظامئة.. أحداً يزيِّن فراغ وحدته.. إنه الشعور بالوحشة واللوعة والألم.. أجل إنه قلبها هي.. قلب تيام.. إنها تسافر بأفكارها بعيداً.. ومهما رحلت وتغربت، لكنها لا تستطيع أن تعرف غيره من الرجال.. ولا بدَّ من ضياعها في الشوارع والطرقات.. تحاول من هذا الضياع أن تطوي صفحة حبها وترحل، لتنسى ذكرياتها وأيامها.. لتنسى ملامح وجه فارسها وضحكاته.. وإن غابت عن الديار عاماً وعامين، لكن النسيان لن يتغلب على حبها له.. لا لن تستطيع أن تنساه.. إنه في مرآتها.. في ملامح وجهها.. في كل الوجوه.. إنها تراه في كل الطرقات.. في الكأس التي تشربه.. تراه في يقظتها وأحلامها.. هو كل عالمها.. كل دنياها.. بدونه لا هوية لها.. فقد أصبحت بدونه بلا كيان. بعد كانت تصحو وتنام كالعادة مثل كل انسان، لا تشكو من شيء والابتسامة لا تفارق ملامحها. هكذا كانت قبل أن تنبت بذور الفرقة والوداع في صدرها في ذلك اليوم الذي استيقظت به وفتح النور أجفانها فشعرت ألسنة النار المقدسة تلسع أضلعها لتحرقها، وبالمحاعة الروحية تقبض على نفسها فتوجعها. فأخذت تتخيل أجنحة تتحرك بها يميناً وشمالاً وتريد النهوض بها إلى السماء، فأيقنت أن الآلهة قررت ايقاد شعلة المرض في روحها. أدركت تيام حينها أنها وضعت بمشكلة عويصة لا تستطيع الخروج منها، لأن الهزل يهبط على الأرواح بإيعازٍ من الله. فجأة تسمع حب فارس منادياً على قلبها، وترى النفس متأهبة للمسير لتلحق صوت الصدى وتتبع نداء القلب. إن حب فارس يتوغل في نفسها فأصبح جزءً من شرايينها، تجلس وحيدة وتفكر كثيراً هل تنساه..؟!! يراودها شعور غريب فيقول لها ما تفعله لتقتل ذكراه، تحاول الإجابة وتطيع النداء كي تنسى علها ترتاح، إلا أنها وفي آخر لحظة يعاودها الضعف والشوق واللهفة لحبه.. وكأن هذا الشعور يخاطبها ويقول لها: لا.. لا تفعلي.. بحبك الكبير.. فتتراجع عن فكرة النسيان لتسكب عواطفها من جديد في لب كبدها. وفهمت أن نصيبها ظلمة القبر، وعلى نفسها ألا تطمح بالنور، ويصراخ الهاوية فلا يحق لها أن تطمع بالأغاني السعيدة. إنها الآن ترى روحها مرفرفة حول فارس بكل ما في الروح من محبة، وبكل ما في المحبة من الطهر والجمال. فلا تجسر على ترك هذا الحب فاقرة عطف ذاك الانسان ومع أنها تعلم كل العلم بأن فارساً قد أصبح ملكاً لغيرها وما من قوة تعيده إليها، وترقبه جزعة من المستقبل، وإن بقيت على هذا الحال ستموت جذعاً وتذوب دمعاً من قصتها مع القدر وتَغَلُب مارد الحب على نسيانها للماضي. وبينما هي وحيدة أغرقت رأسها بين الأوراق وأرادت أن تكتب شيئاً يخفف قليلاً من حنينها لفارس، فترسم شوقها على شكل كلامٍ منظم في قصيدة مسطرة، وقالت: القلب العليل ولعبة القدر في شجن الليل السكين.. وعمق البحر الذي به ألف عراك وعراك عنيف.. أرى نفسي للحب تميل.. والشوق للحب الأول يزيد.. وأنا في الغربة لا أريد..!! سوى أن تكون سعيد.. وأنت أكيد سعيد يا أيها الحبيب.. فتنهمر الدموع.. وتتفتح الآلام والحروح.. وأذهب أنا للجحيم.. النهار جميل.. وأشعة الشمس بلون الذهب تزيد.. ونسيم البحر شاف لكل سقيم.. إلا أنا..؟ لأن الحب يتضاعف داخل قلبي المسكين.. عليلة أنا في حب قلبي.. لأنه مقنص في شباك الوفاء للحبيب.. لم يعد فرق بين دموعي وموج البحر.. فكلها أملاح وأملاح.. لأعيش وحدي في غرفة انفرادي.. وأبقى مع تلك الأشياء.. بكل الحب والاشتياق.. فحبك عظيم محفوظ في حقيبتي عبر قرون الأزمان.. لا ينسى على مر السنين.. ومصيري أصبح معلقاً.. بلعبة القدر والأيام.. لا أستطيع أن أقول لك أحبك يا حبيبي.. إلا عندما أكتب لك الشعر بالأقلام.. فكيف لي أن ألقي بقايا حبي للجحيم ولغدر الأيام.. أغلقت تيام دفترها الحزين وأمسكت صورة فارس بين يديها تقبلها وتحضنها. وبعد الإنتهاء من الصورة تعانق الدمية التي لم تحركها يد بعد يد فارس فتقبلها هي أيضاً، عندها تعود بذاكرة أيامها إلى الماضي الذي جمعها وفارس، فتبكي بكاءً مريراً، وتحاكي نفسها: "أتراك يا فارس تذكر أيامنا أم أنك الآن سعيد مع زوجتك أمل وقد دفنت أيام حبنا بين طيات النسيان..؟!!" إنها تريد رؤية فارس.. أن تطمئن على حياته الجديدة مع أمل وقد مرَّ على هذا الزواج ما يقارب شهرين.. وجاء هذا اليوم... ذهبت تيام إلى هناك ورأت مشهداً ما كانت تتخيله يوماً.. فما تصورت يوماً أن ترى حبيبها الوحيد يتأبط يد فتاة أخرى، فلم تقدر على رؤية مشهد كهذا، وخافت أن يخونها الصمود فتنهال عيناها بالدموع، فولت مسرعة من أمام الجميع بعد أن ألقت السلام عليهم متجهة إلى المخدع لتعيد ذكريات الماضي السعيدة مع فارس. فتبكي الفراق لساعات وحيدة وتندب حظها وحظ فارس. أما فارس، فما أن حطت عيناه بعيني تيام حتى انتفض قلبه انتفاضة المذعور من موت أكيد، فانفلتت يده من يد أمل وانقلب حاله وامتقع وجهه وتبدلت أحواله، حتى بدت ابتسامته حزينة. وعندما رآها هزيلة، نحيلة تكاد لا تقوى على الحراك هاجت في نفسه آلاماً دفينة وشجناً كامناً. فاعتذر من الجميع وانصرف حيث أيقن أن تيام قد توجهت للمخدع وهمَّ إليها دون تردد، يمشي مشية الطائر المذبوح يجر شمله جراً. في زاوية من زوايا المخدع، حيث الهدوء الذي ينطق بكل آلام العالم وأوجاعه، كانت تجلس تيام على صخرة الوفاء حيث كانت تجلس عليها وحبيبها في الماضي، وفي زاوية أخرى يقف الفارس ويراقبها من بعيد ينتابه القلق لما ستفعله بجلستها، حتى سمع صوتها يعلو لتنظم شعراً ترثي به هذا الحب بعد الوداع قائلة: أقسمت أن لا أحب سواك فجأة أجد قلبي يتوقف ومع ذلك أنا حية أرزق..!! فجأة تنحصر الدنيا أمامي وتبدو لي كخر الإبرة.. فجأة يتجمد الدم في عروقي.. ومع ذلك جرحي ما زال ينزف وبشكل أسرع.. لا أدري.. هل هو حب عارم يختلج صدري..؟!! هل هو غرام وعشق لا يريد مفارقتي..؟!! إني أحبك.. إني أحبك.. ورغم كل الأقاويل.. بأنك أصبحت لغيري... فأنا في داخلي لا أرى سوى إنسان يتملك مشاعري.. وأحلامي تنصب كلها في لقياك حبيبي.. أيا غائباً عن عيني.. وحاضراً في خيالي.. يا حباً فتح أيامي.. وعلمني كيف أصوغ كلماتي.. يا عشقاً لفّ كياني.. وتوجني بتاج الحب وأصبح الحب نبضي.. وغدا اسمك منطلق فكري وذاتي.. يا غالي... ألا تختصر الطريق أملاً أن نعبر للبر الآخر.. ونبتعد عن كل أهل الأرض.. وننسى كل حاسد وعزول.. يا نبض القلب.. وعمر العمر.. يا أروع صوت خيم شذا نداك.. كفاك يا آسراً قلباً بهواك.. يا حبيباً.. أجبني وأعد إلي حبي الضائع فلن أنساك.. يا ملك الصمت كفاك.. كفَّ عن التهكم واخرج من صمتك.. كي لا أنساك.. شكوت وبحت بآلامي فلاحت أمامي عيناك.. جلست ألخص آلامي.. فهمست بأذني شفتاك.. حلفت بربي وأقسمت بأن لا أحب سواك.. وبالوفاء والإخلاص.. |
|
#20
|
||||
|
||||
|
إن هذه الشجرة ما زالت قوية متينة.. ولكن شجرة تيام يظهر عليها التعب، منحنية بعكس الأخرى وكأنها تصف حالة تيام وما جرى لها. أما فارس فما زال يراقبها من مكانه يملأه الأنين.. لكنه لم يصمد أن يبقى مكانه وهو يرى حبيبته تتعذب أمام عينيه ولا يفعل لها شيئاً.. وركض إليها لا يأبى شيئاً، وصرخ صرخة مدوية هزَّت لها الأغصان على الأشجار: - تيام إنني هنا.. أمامك وكما أردت وتمنيت... فرفعت إليه جسماً بائساً وعيوناً دامعة.. وقالت في نفسها: "إنه صوت فارس".. ثم صمتت قليلاً فأكملت.. "لا.. لا يمكن.. لا بدَّ وأنني أحلم.. إن فارس الآن مع زوجته أمل، سعيداً وعساه لا يذكرني الآن في يوم العيد.. وعادت إلى إغمائها ومداعبة نفسها بالذكريات والأحزان. ثمَّ تعالت أصوات فارس أكثر فأكثر في المكان صارخاً: - لا يا تيام.. أنت لا تحلمين.. أنظري إليَّ إنني أمامك.. وتقدم إليها كغزال جازع هارب إلى وكره من الذئاب الخاطفة، نحو الشجرتين حيث تمتد تلك الفتاة، فأمسك كتفيها ثم مدّ كفيه نحو جفنيها ومسح دموعها، ولما أحست تيام بلمساته على وجهها، ورأت نفسها بجانبه ترامت عليه وطوقت عنقه بزنديها وحدقت إلى عينيه، ثم قالت والألفاظ تتسارع من شفتيها بسرعة الدموع من أجفانها: - لا.. ماذا فعلتُ.. لماذا عانقتك..؟! إنك الآن ملكاً لغيري.. وأنت لماذا جئت ألا تعرف أن ما تفعله الآن هو خيانة لزوجتك أمل..؟! أين وعدك لي..؟!! - حين كنت أمسك يد أمل لاحظت شحوب وجهك، وعند فرارك من مجلسنا أحسست بآلامك فعرفت أنك ستأتين إلى هنا، فلم أقدر أن أبقى هناك أتأبط يد أمل وأمثل دور السعيد بزواجه، وأنت هنا تبكين نار الفرقة.. وترثين الحب الذي كان.. - فارس.. أرجوك عد لزوجتك واتركني وحدي هنا.. لا أريدك أن تلطخ حياتك الزوجية بدماء الخيانة، لا يحق لك أن تضمني.. وليس من حقي كذلك.. لم يعد لي الحق أن ألتقي بك بعد زواجك.. اذهب أرجوك.. اذهب من هنا قبل أن يوسوس الشيطان في أذننا فنضعف أمام حبنا.. - أذهب وأتركك وحيدة تبكي.. وأسمم قلبك بألسنة الهم وأمزق صدرك بأظافر الموت وأملأ نفسي بالأكاذيب بأنني منشغف بحب أمل، وأنت من تحتلين على عواطفي.. فلماذا أرضى بها ولا فرح لي سواك..؟! أذهب والآن قد رُفع عن عيني الغشاء فجئت إليكِ.. وقد خرجت من هذا السجن ولن أعود إليه. قد جئت لكيْ أضمك بذراعي ولا توجد قوة في هذا العالم ترجعني إلى أذرعة أمل التي زوجت لها غصباً ويأساً وإجباراً.. تركت كل شيء في هذا المنزل المملوء بالخداع والتمثيل وأتيت إليك لأتبعك هنا لنكمل قصتنا ونذهب إلى أرض بعيدة، نركب سفينة حبنا لتحملنا إلى بلاد بعيدة مجهولة.. لماذا لا تتكلمين يا تيام..؟ لماذا لا تنظرين إليَّ.. لماذا لا تقبليني كما في الماضي..؟! ألا تصدقين بأنني سأهجر أمل زوجتي وأبي وأمي وسأبقى معك هنا لنهرب معاً..!! تكلمي.. اتركي قلبك ينطق بما يريد.. لا تضغطي على نفسك أكثر.. انطقي بأنك ما زلت تحبينني.. إنني جاد فيما أقول... - كفاك تفاهة يا فارس.. لم أعهدتك يوماً بهذه القسوة.. عهدتك بالصادق والأمين والمخلص لمن يخلص لك ويحبك.. أتظن أن ما قلته يسعدني.. لا إنه يجعلني أتعس مما أنا عليه الآن.. أرجوك وكم من مرة أرجوك لا تعد على مسامعي هذا الكلام.. واذهب، إن وقفتنا هذه محرمة علينا.. إن حياتك الآن تختلف عن الماضي الذي عشناه معاً سابقاً.. إنه ماضٍ دفن تحت طيات التراب.. عش الآن مستقبلك الجديد، إن أمل لا تستحق منك هذا التصرف.. ألم تعدني بأنك لن تخونها وستحبها كما أحببتني.. إنها الآن حياتك ولست أنا.. أنا الماضي الدفين وهي المستقبل الباهر.. ومن قال لك أنني ما زلت أحبك.. سأرتبط بإنسان يأخذني من كل هذا الحزن.. ينقلني لحياة أخرى بعيدة عن كل شيء.. وما جئت هنا اليوم إلا لأرمي ببقايا ذكرياتي معك لأكون مخلصة لهذا الإنسان.. صدقني أنا سعيدة جداً.. صحيح يا فارس لقد سمعت من بعض نقاشات الأهل بأن زوجتك أمل حامل.. هل لهذا الخبر شيئاً من الصواب..؟؟ - تيام.. ما زلت كما أنت تتظاهرين بالسعادة وقلبك مطفح بالتعاسة.. ما زلت تضحين بنفسك من أجل الغير.. ومن أجل سعادتي.. تتظاهرين باللامبالاة لكل ما أصابك أمام الجميع، وأمام نفسك والواقع الذي تعيشينه إنسانة منهارة بائسة. كم أتمنى أن يكون ما قلته بشأن ارتباطك شيئاً من الصدق، وأن أراك سعيدة فتعود البسمة إلى ثغرك البلوري لتنيره من جديد.. ليتني أستطيع أن أصدق ما تدعيه يا تيام.. ليتني أستطيع أن أصدق كل ما تلفقيه من أكاذيب. - أنا لا أكذب عليك يا فارس صدقني.. قريباً بل وقريباً جداً ستراني أزف زفافاً لم تشهده عيناك من قبل.. ما بك مبهم ألا تصدقني.. حسناً ستريك الأيام صدقي.. والآن أجبني عن سؤالي هل صحيح أنك ستصبح أب عما قريب..؟ - نعم إن ما سمعته أذناك ليس به شك.. سأصبح أب.. - رائع.. أتعرف أريد أن أطلب منك طلباً.. أتراك تلبيه لي..! - كيف لا وأنت الآمرة الناهية على كل حياتي.. اطلبي ما شئتِ.. - فارس إن رزقت بفتاة فاطلق عليها اسم تيام كاسمي.. وعندما تكبر قصّ عليها ولوالدتها أمل حكايتنا.. - أعدك يا تيام إن رزقت بها لن يكون اسمها إلا تيام.. أعدك.. - فارس.. قل لي بصراحة ولا تحاول الكذب، أنت سعيد مع أمل أليس كذلك..؟ وأصبح الحب يجمع ما بينك وبينها.. أنا أرى البهجة والسرور على ملامح أمل والابتسامة على مقلتيك..!! - المشكلة أنني لا أقدر على الكذب أمامك.. صدقتِ إن أمل إنسانة تستحق الحب والوفاء.. أكذب عليك إن قلت أنني أكرهها، وفي نفس الوقت لا أشعر بحب نحوها كما أشعره معك.. لكن لا أستطيع أن أتغاضى استلطاف حبها داخلي، أشعر ببعض من حبها بدأ يلامس قلبي.. وأظنك السبب في ذلك، فكلما تذكرت وعدي لكِ شعرت بقوة الحب تجاهها.. أراها أمامي فأراكي.. إن ابتسمت تذكرت ابتسامة ثغرك.. وإن بكت رأيت معك، وكأنها هي أنت...!! - إذاً فاذهب إليها فهي الآن بحاجة إليك أكثر من أي وقت مضى.. وتأكد أنني سأكون سعيدة فقط عندما تكون أمل سعيدة.. - ولكن أنت كيف سأتركك هنا وحدك..؟! - ماذا بي.. أنا بخير كيفما جئت سأعود، أنا بخير لا تقلق عليَّ هيا انصرف الآن.. إذنك معك.. - ألن أودعك..! - يكفي أن يدي يدك.. فهذا أفضل وداع.. إلى اللقاء... كان فارس يتكلم وفي صوته الجوهري نغمة سحرية يضطرب لها قلب تيام الناظرة إليه بإعجاب يشابه استغراب الأعمى إذا ما أبصر فجأة، وتهتز لحلاوته نفسها المحدقة إليه بأعين طافحة بالدموع. ولما انتهى فارس من كلامه مدّ لها يداً ترتجف لتصافح يد تلك المسكينة.. كانت يداً تترنح من شدة الهموم متعبة وكأنها قد انفصلت عن جسده، ومن شدة ارتخائها كادت أن تقع.. وتسمر الزمن عند تلك اللحظة فلم يسأل فارس حبيبته ماذا ستفعل ولا هي قالت أين ستذهب.. وهنا سكتا سكتة طويلة كانت الأ,صال ترتعد فيها ارتعاداً شديداً.. وانتهى كل شيء بين هذين العاشقين فقط بكلمتين.. هو قال بصوتٍ خافت متهدج لاقتك السلامة.. وهي قالت الوداع.. ثمّ ما لبثا أن ردداها حتى ماتت الابتسامة من ثغريهما وحلت الآهات مكانهما، وتجمدت الأيادي من هذا اليوم الحزين. وبدأ أخذ فارس بالتراجع إلى الوراء قليلاً قليلاً وعيناه مقابلتان على حبيبته تيام، وأنفاسه ترتعش أمام أشباح هموم الوداع.. حينئذٍ كانت تيام ما زالت واقفة متمسمرة مكانها في بؤسٍ، ترتجف غضباً وتتلوى كالمطروحة على وسادة من الشوك، وقد تقلصت ملامحها واصفر وجهها، وتسمرّ قلبها وتجمدت الحياة في داخل جسدها ولم تعد قادرة على الحراك، وركض فارس كالهارب من خطر يداهمه في كل أنحاء المكان. وذهب وبقيت وحدها، وانفجرت باكية بكاء ثاكل. هكذا فجعها الدهر في أفلاذ كبدها وفي ساعة واحدة، فلا صبر لها ولا عزاء. حلّ الوداع.. وداع فقير لا يساوي بالجراح ولا بالحب الكبير الذي كان، والأحلام التي كانت وذهبت مع الغيوم.. وداع يقارن مع تلك الحكاية الطويلة التي أصبحت كمثل خيط من حرير قطع بدايته. انتهى كل شيء.. انتهت حكاية هذين الاثنين.. انتهيا وحلا كالأغراب.. فارس يفتح قلبه لسعادة حياة الأبوة وروعتها، وتيام تفتح قلبها ليدخل له المزيد من العذاب والجراح، أما جسدها الهامد فحل كالظل الذي يترنح مع الرياح وتقذفه أينما شاءت. وبينما هي على هذا الحال إذ لم تعد قادرة على الوقوف.. وقعت على الأرض ريثما فركت قلمها السحري، فجاءها جني الكتابة من القمم ليسامرها فكتبت: |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه للموضوع: جريحة الحــب
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| •.♥.•° (*..هولاء أتشرف بفراقهم..*) °•.♥.•° | طريح الهوى | الحوار العام | 5 | 16-04-2007 24- 23:22 |
| أغرب خبر في جريدة عن السعوديين والشاهي!!!!!! | dosss | رجيم - رشاقة دايت | 3 | 14-04-2007 24- 11:36 |
| برنامج ( سيــرة الحــب ) للدكتـورة / فــوزيـة الـدريــع | بوعبدالرحمن | الحوار العام | 11 | 06-02-2007 24- 12:15 |