فقلت : نتصل بالشيخ فلان وهو من أكبر العلماء وأتقاهم لله ( نحسبه كذلك ) حتى نسأله عن أمرك فإن قال سلم نفسك أنا آخذك , وإن قال لا , فمالك إلا أن تطيع . وسألنا الشيخ
فقال : لا يسلم نفسه . ويقول الشيخ أن هذا الشاب قد أقلقه بالهاتف وأتصل به مرات عديده يقنعه أن يسلم نفسه ويجادل . فلما قابلته
قلت : لماذا أزعجت الشيخ بهذه الاتصالات وأنا كفيتك .
فقال : أحاول به يمكن يأمرني أو يوافقني .
وكان كلامه للشيخ أتق الله فإني أتعلق برقبتك يوم القيامه وأقول أنني أردت أن أسلم نفسي ليقام حد الله علي فردني الشيخ .
فقال الشيخ : هذا ما ألقى به وما أفنيتك إلا عن علم . ثم قال التائب لي : إني أودعك فإني أردت الحج , وكان الحج وقتها على الأبواب . فطلبت منه أن نحج معاً , فاعتذر وظننته قد اختار رفقه يحج معهم . فحججت وأنا لا أعلم من رفقته وفي ثاني أيام التشريق رأيته من بعيد وكان أسمه أحمد فقلت يا أحمد , فالتفت فرآني ثم ولى هارباً . فقلت : سبحان الله ما الذي غير قلبه علي لعلي أراه بعد الحج . فلما أنتهى الحج وعدنا قابلته فسألته .
فقال : لقد حججت وحدي وتنقلت بين المشاعر ماشياً لعل الله ينظر إلي ذاهباً من منى إلى عرفه أو واقفاً في في عرفه أو في مواطن الحج فيرحمني .
فسألته : لماذا هربت مني يوم ناديتك ثاني أيام التشريق ؟؟
فقال : كنت مشغولاً بالاستغفار من الشأن الذي فعلت .
فقلت : هلا جئت معنا ؟؟
فقال : أنا أجلس معكم أنتم أطهار أتريدون أن أدنسكم بالزنا ؟؟ وكان في حجه يقول أخشى أن لا يغفر لمن حولي بشؤم ذنبي .
وتاره يقول : لعل الله أن يرحمني بهؤلاء الجمع المسبحين الملبين .
ثم إنه دام التواصل بيننا ودامت الزيارات وكنا نقرأ في سير الصالحين والتائبين وكنا نتدبرها .
وأذكر أن التائب بعد قد حفظ القرآن كله وصار يصوم يوماً ويفطر يوماً .
وفي ذات يوم كنا مجتمعين نقرأ في سير الصالحين فمرت بنا قصة الربيع بن خثيم شاب لم يتجاوز الثلاثين وسيم قوي عالم بالله خائف منه . وكان في تلك البلاد من الفساق الذين تعاونوا على إفساد الناس فتجارؤا وقالوا : نريد أن نفسد الربيع بن خثيم . وتسائلوا ما الذي يفسده ؟؟ فقالوا نأتي إلى غانيه بغي ( والغانيه هي التي استغنت بجمالها عن المحسنات والمجملات ) فندفع لها ما يكون سبباً في أن نغوي الربيع .
فأتوا إلى أجمل من عرفوا فقالوا : لك ألف دينار . فقالت : على ماذا ؟؟ فقالوا : على قبله واحده من الربيع بن خيثم . فقالت : لا ولكم فوق هذا يزني ويفعل ويفعل .
ثم إنها تهيأت وتعرضت له في طريقه في مكان خال ثم سفرت لباسها وتعرضت له فلما رآها صرخ بها قائلاً : كيف بك إذا نزلت الحمى في جسدك فغير فيك ما أرى من لونك وبهجتك .. أم كيف لو نزل ملك الموت وقطع منك حبل الوريد ؟؟ أم كيف بك إذا جاءك منكر ونكير ؟؟ فصرخت صرخه عظيمه ثم ولت هاربه وأـصبحت من العبادات حتى لقبت بعابدة الكوفه . ثم قال أولئك الفسقه لقد أفسدها الربيع علينا . فلما سمع التائب هذه القصه أنفجر باكياً
وقال : الربيع يردها وأنا بقدمي أذهب لأزني بها ؟؟ الربيع يردها وأنا بقدمي أذهب لأزني بها ؟؟ ثم أنصرف عني باكياً متأثراًَ حزيناً منكسراً ثم ذهبت إلى أحد العلماء فذكرت ما كان من توبته وإنابته وخوفه وتقواه وصيامه وحفظه للقرآن .
فقال العالم : لعل زناه هذا يكون سبباً في دخوله الجنه ولعل بعض الآيات تصدق في حقه وهي قول الله جل
وعلا : "والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما , يضاعف له العذاب يوم القيامه ويخلد فيه مهانا , إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما , ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا" ( الفرقان : 71 )
فلما سمعت هذه الآيه عجبت .
وقلت : كيف غفلت عن هذه الآيه فوليت إلى بيت صاحبنا في قصر أبيه الفسيح . ذهبت إليه لأبشره .
فقالوا : إنه في المسجد . فذهبت إليه في المسجد فوجدته منكسراً تالياً للقرآن فقلت عندي لك بشرى
فقال : ما هي ؟؟
فقلت له مرتلاً : "والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثماً , يضاعف له العذاب يوم القيامه ويخلد فيه مهاناً , إلا من تاب وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيائتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما" .
ولما أتممت هذه الآيه قفز واحتضنني
وقال : والله إني أحفظ القرآن ولكن كأني أقرؤها أول مره لقد فتحت لي باب من الرجاء عظيم فأرجو الله أن يغفر لي بها . ثم أذن المؤذن لإقامة الصلاة وغاب الإمام ذلك اليوم . فقدم ذلك التائب , وبعد أن كبر وقرأ الفاتحه تلى قول الله جل وعلا "والذين لا يدعون مع الله إله آخر "فلما بلغ" إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً" بكى ولم يستطع أن يكملها , فكبر وركع ثم أعتدل ثم سجد وأعتدل ثم سجد ثم قام للركعه الثانيه وقرأ الفاتحه وأعاد الآيه يريد أن يكملها فلما بلغ "إلا من تاب وآمن" ركع وأتم صلاته باكياً ومضى على هذه الحال زمناً . إلى أن جاء يوم هو الجمعه الماضيه وكان الجمعه من عطلة الربيع , أتصل بي رجل
وقال : أنا والد صاحبك أحمد وهو الشاب التائب وأريدك في أمر مهم , أريدك أن تأتي إلي مسرعاً في أمر مهم . فلما بلغت باب قصره إذ بالأب واقف على الباب فسألته .
فقال : صاحبك أحمد يطلبك السماح يودعك إلى دار الآخره . لقد أنتقل اليوم إلى ربه ثم أنفجر باكياً . وأنا أهون عليه وبقلبي على صاحبي مثل الذي بقلب والده عليه , ثم أدخلني في غرفه كان صاحبي فيها مسجا مغطى فكشفت وجها قد فارق الحياة , لكنه كان كله بهجه وسروراً , رأيت محيا كله نور .
فقال لي والده : أسألك يا أحمد ما الذي فعل ولدي منذ أن سافر وهو على حاله هذه ؟؟
فقلت وكنت قد عاهدته أن لا أخبر بالقصه إلا للعظه والعبره : إن ولدك يوم سافر فقد عزيزاً عليه في سفره ذلك . نعم فقد في تلك اللحظه إيماناًُ عظيماً . فقد إقبالا إلى الله قصته . ثم سألت والده عن قصة موته .
فقال : إن أحمد كما تعلم يصوم يوماً ويفطر يوماً , حتى كان يوم الجمعه هذا فبقي في المسجد يتحرى ساعة الإجابه , وقبيل المغرب ذهبت إلى ولدي فقلت : يا أحمد تعال فأفطر في البيت .
فقال : يا والدي إني أحس بسعاده عظيمه فدعني الآن .
فقلت : تعال لتفطر في البيت .
فقال : أرسلوا لي ما أفطر عليه في المسجد .
فقلت : أنت وشأنك . وبعد الصلاة قال الأب لولده : هيا إلى البيت لتناول عشاءك
فقال التائب أحمد لوالده : إني أحس براحه عظيمه الآن , وأريد البقاء في المسجد ولكن بعد صلاة العشاء سآتيكم للعشاء .
ويقول الأب ولما عدت من المسجد أحسست بشيء يخالج قبلي , فبعثت ولدي الصغير .
وقلت : أذهب إلى المسجد وأنظر ماذا بأخيك ؟؟ فعاد الصغير يجري ويقول يا أبت أخي أحمد لا يكلمني . فخرجت مسرعاً ودخلت المسجد فوجدت ولدي أحمد ممدداً وهو في ساعة الإحتضار وكان يتكئ على مسند يرتاح في خلوته بربه واستغفاره وتلاوته . فأبعدت عنه المتكأ وأسنده إلي ونظرت إليه فإذا هو يذكر أسمك . وكأنه يوصي بالسلام عليك . ثم إن التائب أحمد أبتسم إبتسامه وهو في ساعة الإحتضار , ويقول أبوه : والله ما أبتسم مثلها يوم أن جاء من سفره . ثم قرأ في تلك اللحظه التي يحتضر فيها مرتلاً "والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً , يضاعف له العذاب يوم القيامه ويخلد فيه مهانا , إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات" . وعندها فاضت روحه . ويقول الأب لا أدري أأبكي على حسن خاتمته فرحاً أم أبكي على فراق ولدي
ثم إن هذه القصه أصبحت سبباً في صلاح أسرته وإخوانه .
فالبدار البدار للتوبه فإن الموت لا يمهل المذنبين . ويأتي بغته حين يكبر الأمل بطول الحياة , فيشتت الآمال , ويقطع عمل الإنسان , فليس له حينها إلى ما قدم في هذه الفانيه من عمل صالح , يؤنسه في قبره ويشفع له عند ربه ويرفع في درجات الجنات .
أيبقى بعده متأخر عن الدخول في أبواب رحمة الله الواسعه ؟؟
أبشر أخي . .
فإن الله يغفر الذنوب جميعاً . . ويبدل السيئات حسنات . . لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى . .
القصه على لسان الشيخ أحمد الطويل من شريط توبه صادقه للدكتور سعد البريك