ليس هناك من شك في أن الحرب العدوانية الإسرائيلية علي لبنان تحولت عقب فترة قصيرة من بدايتها إلي مأزق حاد للحكومة والمؤسسة العسكرية في إسرائيل في آن واحد معا. ولا يرتبط هذا المأزق فقط بالصمود الأسطوري لحزب الله بقدر ما يرتبط في الوقت نفسه باختلالات هيكلية في طبيعة الفكر السياسي والاستراتيجي الحاكم لعمل المؤسسة العسكرية والنخبة السياسية في إسرائيل بحيث يمكن القول ان هذا المأزق يرتبط في جانب أساسي منه بغطرسة القوة الإسرائيلية التي تصور لمسئولي الحكومة وقادة المؤسسة العسكرية أن تفوق الآلة العسكرية الإسرائيلية يمكن أن يحسم أي مواجهة تدخلها إسرائيل.
ولعل الخاصية الأولي لهذا المأزق الإسرائيلي تتبدي في فشل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في التعلم من الأخطاء السابقة لاسيما عملية عناقيد الغضب التي شنتها ضد لبنان في عام1996 والتي انتهت أيضا بفشل سياسي وعسكري ذريع للمؤسسة العسكرية ولحكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل وقتذاك.
ومارست القوات الإسرائيلية وقتها تدميرا هائلا للبنية الأساسية ولقدرات حزب الله ولكن من دون أن تفلح في تحقيق أي هدف سياسي أو عسكري من تلك الحرب. ويعود مصدر الفشل الإسرائيلي سابقا وحاليا إلي عناصر رئيسية محددة تتمثل في تكتيكات حرب العصابات التي يمارسها حزب الله والطابع الإجرامي والهمجي لعمليات الجيش الإسرائيلي ضد الشعب اللبناني وتجاوز طوائف الشعب اللبناني وفعالياته السياسية الخلافات القائمة فيما بينها والتوحد في مواجهة العدوان الإسرائيلي. فالجيش الإسرائيلي مصمم ومجهز بالأساس لخوض حروب نظامية في مواجهة قوات تقليدية في ساحات حرب مفتوحة بينما يبدو من شبه المستحيل بالنسبة له أو لأي قوة عسكرية نظامية أخري أن تنتصر انتصارا حاسما في مواجهة هذا النوع من حرب العصابات. ومع أن المؤسسة الإسرائيلية حاولت التعويض عن هذا النقص من خلال إعداد قواتها الخاصة لاسيما لواء جولاني لخوض مثل هذا النوع من العمليات إلا أن حزب الله يظل محتفظا بتفوق شبه مطلق في مثل هذه العمليات من حيث معرفة مسرح القتال والروح القتالية.
وهناك خطأ آخر يتمثل في استمرار احتلال إسرائيل لمنطقة مزارع شبعا عقب انسحابها الأحادي الجانب من جنوب لبنان في عام2000 ذلك أن استمرار هذا الاحتلال يبقيها في خانة' قوة احتلال' ليس فقط بالنسبة لحزب الله ولكن أيضا لأغلب قطاعات الشعب اللبناني وهو ما ينسف من الأساس كل ما ارتكزت عليه السياسة الإسرائيلية إزاء لبنان منذ عام2000 والتي قامت علي افتراض أنه لم يعد هناك ما يستوجب استمرار الصراع بين إسرائيل وحزب الله وهو افتراض لم يكن صحيحا قط في ضوء قضية مزارع شبعا فضلا عن استمرار احتفاظ إسرائيل بأسري لبنانيين.