قيادة الموظفين الرجال أسهل لمعظمهن
تحقيقات ... النساء المسؤولات يعانين من "بنات حواء"
عندما تمكن الإمبراطور الروماني أورليانوس من إسقاط مملكة زنوبيا في معارك طاحنة معها، وعندما اقتحم هذه المملكة وأسر هذه الملكة القوية التي أهانته بسطوتها وبقوتها، دمر قصرها بالكامل ولم يبق منه أثراً وأزال اسمها المحفور على جدران المملكة في حين أبقى على اسم زوجها الذي كانت قد تسلمت السلطة بعد وفاته، علما أن اسمها واسم زوجها كانا يذكران معاً. هل فعل ذلك لأن من تحداه كان امرأة لا رجل؟ هذه الرواية التاريخية التي لا تجوز استعارتها بشكل خفيف من أجل إثبات فرضية ما، ولكنها أيضا رواية شهيرة لأنها تدور حول امرأة، فكم من الممالك سقط ومن الحروب خيضت من أجل السلطة، وبالكاد يعرفها المهتمون بالتاريخ. السلطة في يد امرأة هي بلا شك من النوع الصعب، من منا ينكر تلك الحساسية التي تعامل بها النساء في مواقع القرار، وهي حساسية لا تأتي فقط من الرجال فأحيانا تأتي على شكل أقوى وأكثر تعقيدا من جانب النساء. ومن منا لم يسمع أو يشارك في صنع نكتة ما حول امرأة في موقع قيادة أو صب جام غضبه على وزيرة خارجية من هنا أو رئيسة وزراء من هناك، أو على الأقل وجد نفسه أكثر حساسية من أخطائها؟ فهل سأل أحد منا نفسه لماذا نجد أنفسنا أكثر استعدادا لمهاجمة امرأة ولو أنها لا تستحق؟ في هذا التحقيق نسأل عدداً من النساء في مواقع قرار مختلفة الطبيعة والدور عن تجربتهن وعن تلك الحساسية المفترضة التي يمكن أحيانا أن تصل إلى محاولات للانتقام أو “مؤامرات” لإفساد التجربة وانتزاع المسؤولية.
أبوظبي :
عندما توجهنا بهذه الأسئلة، كنا نتوقع الكثير من الكلام لأننا في الواقع نسمع الكثير منه، ولكن ما كان مفاجئا هو ذلك الحرص الذي أبدته الكثيرات في اختيار الكلام بدقة ومطالبتهن بمحو بعضه وحذرهن الشديد في عدم الإشارة إلى أي أمر من شأنه أن يثير الحساسيات. مجددا الحساسيات، وهذا بحد ذاته يشير إلى مشكلة ما أو على الأقل إلى دقة وحساسية مواقعهن، ومنهن من فضلن عدم المشاركة في التحقيق نظرا لوضعهن الدقيق جدا، فإحدى السيدات التي تعمل كشريكة مع رجلين آخرين في إحدى المؤسسات الخاصة، رفضت الكلام لأنها أصلا تعاني مشاكل كبيرة جدا وكادت تبيع حصتها من الشركة بسبب ما عانته، لا سيما وأنها هي من تدير عمليا الشركة. وكل ذلك بسبب حساسية شريكيها حتى موظفيها من كونها امرأة، ولأنها كما تقول تمتلك بطبيعتها صفات الرجل في الحزم والجدية، وهذا ما لم يتحمله شريكاها لا سيما بعد نجاحها في العمل.
من يتحدثن هنا تتفاوت أراؤهن وأحيانا بقوة، فمنهن من يعتبرن المسألة تكمن في وعي المرأة وطريقة تعاملها مع الآخرين، ولذلك علاقة بمنطق القيادة نفسها بصرف النظر عمن يتسلمها، امرأة أم رجل. ومنهن من اعتبرن لا بد من وجود صعوبات خاصة بهن لا لشيء بل لكونهن نساء ومنهن من اعتبر أن التعامل حتى مع الموظفين النساء أكثر صعوبة وحساسية من التعامل مع الرجال. لكنهن أجمعن على أن للمرأة في موقع القيادة دائما وضعا خاصا، ويبدو أن معظمهن لجأن إلى المبالغة في تواضعهن كحل في محاولة لتخفيف الحساسية المفترضة منهن كنساء في موقع القيادة، وركزن بشكل عام على “الجانب الإنساني” في الإدارة.
تشغل الدكتورة النقيب نوال الحوسني حالياً منصب رئيس قسم الدراسات والتصميم في إدارة هندسة المشاريع وصيانة المباني في القيادة العامة لشرطة أبوظبي، ويتكون القسم من أربعة فروع يعمل فيه 27 رجلا وسبع إناث في تخصصات مختلفة هندسية وإدارية، كما قالت. وكما يتبين من مهامها فهي على تماس مباشر مع جميع موظفيها، “كرئيس قسم يجب أن أعمل بشكل قريب مع فريقي وذلك للتعرف الى نقاط قوتهم لتعزيزها ونقاط ضعفهم لمعالجتها. تحفيز العاملين في القسم من ضمن مسؤولياتي بالإضافة إلى تحديد احتياجاتهم التدريبية والتأكد من توفر جميع الموارد التي يحتاجونها لأداء عملهم”. عند سؤالها هل واجهت مشاكل محددة في التعامل مع الرجال في قسمها لا سيما أنهم الأكثرية ردت “الحمد لله علاقتي ممتازة مع جميع زملائي ومرؤوسي. أتعامل مع الجميع بأخوة ومحبة وتعاون. وأتواصل بشكل جيد وقريب مع جميع أفراد الفريق. طبيعة العمل في القسم تؤدي بعض الوقت إلى زيادة التوتر بسبب كثرة المشاريع الطارئة والعاجلة ولكنني أتواصل معهم وأوضح لهم حجم العمل الأمر الذي يؤدي إلى تفهمهم وتبنيهم لهذه الأعمال وأدائها على أحسن وجه. لا أتعامل مع مرؤوسي كامرأة بل أتعامل معهم كواحدة منهم أتوقع منهم ما أتوقعه من نفسي وأتعامل معهم كما أحب أن يعاملوني باحترام وود وشفافية”.
وتقول د.عائشة الخزرجي إنها هي أيضا تلجأ إلى التعامل الإنساني مع موظفيها “عندما يدرك كل من يعمل في المؤسسة ما عليه من واجبات ومسؤوليات ويتفهم الأهداف المهمة لمؤسسته فليس هناك مجال للمشاكل حيث تحكم الجميع لوائح ونظم للعمل ولكني أعطي الجانب الإنساني مساحة كبيرة لما للعلاقات الإنسانية من دور يضيف روحا طيبة ويسهم في تفعيل الأداء لفريق العمل”.
د.مريم المطروشي، مديرة الإدارة المركزية للصحة المدرسية ومديرة إدارة مكافحة الأمراض بالإنابة في وزارة الصحة، تقول “أتعامل مع الموظفين كإخوة لي، أحرص بشدة على هذا الأمر، من دون أن أشعرهم بأن ما أقرره نهائي، فأي مشروع أقترحه أولا عليهم وأناقشه معهم وأحاول أن آخذ برأيهم واقتراحاتهم إذا كانت مناسبة، وقد أتراجع عن رأي لو تبين لي من خلال هذه النقاشات عدم صحته”.
أعظم المزروعي، التي تشغل منصب مديرة فرع في إحدى المصارف منذ نحو عشر سنوات، تقول إنها متنبهة جدا لطريقة تعاملها مع الآخرين، فهي تحرص كثيرا على معاملتهم باحترام، لا بل أنها تحاول ألا تشعرهم بأنها أرفع منهم منصبا، وتقول إنها تتنبه مثلا لطريقة لبسها، بحيث لا تشعرهم بأناقة وتبرج مبالغ به بإمكانهما أن يذكرا تلقائيا ودائما من يتعامل معها بأنها امرأة، “كل شيء طبيعي وضمن الحدود التي تضمن الاحترام”. أما هدى المطروشي رئيسة قسم العلاقات العامة في إحدى شركات البترول منذ خمسة عشر عاما تقول “يتعامل معي الموظفون بسهولة كبيرة، لا يعتبرونني مسؤولة بل يتصرفون معي كأني أخت وزميلة لهم، ويرفعون الكلفة بالكامل”.
معاناة: قد يكون ظلما القول إن المرأة تلجأ مضطرة لإضفاء الروح الإنسانية على عملها فخاصيتها تلك تنبع على الأرجح من طبيعتها ولذلك شرح طويل. وقد يختلف بالطبع الوضع بين امرأة وأخرى وتلعب طبيعة المراكز أو المهام دورا في ذلك بالإضافة بالطبع للعامل الشخصي لكل منهن. فهناك من نفين وجود أي مشكلة تقريبا في عملهن، وهناك من قلن صراحة بمعانتهن ولكن كما تبين فإن الخبرة الطويلة تخفف من هذه المعاناة حيث تتعلم المرأة أكثر طرق التعامل وامتصاص النقمة.
“عانيت من النساء..” هذا ما تقوله عزة القبيسي ردا على سؤالنا هل عانيت من مشكلة كونك مسؤولة. وهذا ما تقوله أيضا هدى المطروشي وتلمح إليه أخريات. هل صحيح ما يقال إذن عن عدم تقبل المرأة لامرأة أخرى تترأسها؟ هل حساسيتها أشد من حساسية الرجل؟
تقول د.نوال الحوسني “هناك اعتقاد سائد بأن المرأة تغار من المرأة وتسبب لها مشاكل وإعاقات في العمل. عملياً هذا الاعتقاد بدأ يتغير بسبب حصول المرأة على التعليم الجيد والتدريب المناسب. المشاعر السلبية مثل الغيرة والحسد تنبع من قلة الإحساس بالأمان وفقدان الثقة بالنفس وفي حال وجدت المرأة نفسها في المكان الذي يتناسب مع قدراتها وتحصل على الفرص التي تساعدها على التطوير المهني المستمر فلن يكون هناك سبب للتعامل بسلبية أو عدائية مع المسؤولين عنها سواء كان المسؤول عنها رجلا أو امرأة. لذلك أعتقد أن دور المسؤول مهم في تذليل أية صعوبات في التواصل مع مرؤوسيه سواء كان المسؤول ذكراً أو أنثى”.
وتعتبر عائشة الخزرجي أن التعامل مع الجنسين يتوقف على طبيعة واقعهما الوظيفي لكنها لا تنكر بالكامل خصوصية ما للمرأة لأنها قبل أن تكون موظفة لا تنسى نفسها أنها أم وزوجة مسؤوليتها الأولى استقرار وبناء المجتمع وأسرتها وتربيتها الصالحة لأبنائها. وهذا يتطلب منها جهدا ووقتا مضاعفا للمحافظة على القيام بهذه الواجبات وكذلك تفوقها الوظيفي، ما قد يضعها في بعض الأحيان تحت ضغط نفسي يتطلب من المحيطين بها فهمه وتقديره.
عزة القبيسي التي تحدثت صراحة عن مشكلة في التعامل مع النساء تقول “هناك أولا مسألة التعّود، فالنساء والرجال على حد سواء لم يعتادوا كثيرا على أن تترأسهم امرأة، وقد يرى الرجال في ذلك أيضا ما لا يمكن تقبله، سيرونها كما يقال “كبيرة في حقهم”، ولكن هناك أسباب تضاف إلى كل ذلك عند المرأة وقد ينظر إليها على أنها تافهة لكنها موجودة في الحقيقة، هناك عدم ثقة المرأة بنفسها (أي المرأة المرؤوسة) وعدم لجوئها أحيانا إلى تطوير نفسها وعدم خضوعها مثلا لدورات تدريبية كافية تؤهلها لتتقدم في عملها لذا يستفزها أن ترى امرأة أخرى غيرها تترأسها وتكون على معرفة أكبر منها.
هدى المطروشي تذهب إلى أبعد من ذلك فتقول “لدي صعوبة كبيرة في التعامل مع النساء، المرأة لا تتقبل المرأة، عليك أن تعتمدي الدبلوماسية وطول البال، خلال السبع السنوات الأخيرة تحسن الواقع كثيرا لا سيما في تعاملي مع الموظفين الرجال وبشكل أقل مع النساء. فالمرأة تقارن نفسها تلقائيا بامرأة أخرى لا رجل، وهنا يدخل عامل الحسد” وهذا كان ينعكس عبر تعبيرات كثيرة مثل محاولة تجاهل تعليماتها أو محاولة اعتراضها أو محاولة مماطلة النساء خلال الاجتماعات....
هناك الكثير ممن اعتبرن التعامل مع الرجال أقل تعقيدا، فكما تقول حصة المهيري “لكل من الجنسين خصوصيته، وقد يكون الرجال أقل إشكالية من النساء من حيث طبيعتهم النفسية والبدنية لأن للرجال حركة أوسع في تنفيذ مهام أعمالهم”. وهذا ما تقوله جزئيا أعظم المزروعي “الرجال أحيانا أكثر دعما للمرأة”. وتقول د. مريم المطروشي إن لكل منهما خصوصية، قد يكون التعامل أسهل مع الرجال عندما يتعلق الموضوع بالنظرة الشمولية للمشاريع وفي موضوع التنقل والحركة ويكون أفضل مع النساء في الأمور الدقيقة والتفاصيل المهمة.
إن كان هناك ما يمكن استنتاجه من خلال هذا المرور السريع على بعض التجارب النسائية القيادية هو أن لا شيء جماعي بالكامل، وأن ما سميناه “معاناة” المرأة القيادية يتفاوت وأحيانا بشدة، نظرا لعوامل فردية وأحيانا لظروف هذه القيادة وطبيعتها. ولكن ما أكدنه جميعا أن هناك ما بدأ يتبدل وأن الطريق باتت أقل صعوبة أمام المرأة القيادية بسبب التطور الحاصل في المجتمعات، فكما قالت حصة المهيري التي تعمل مديرة فرع السيدات لإحدى المصارف والتي لا تتعامل من خلال مركزها هذا مع النساء فقط لكنها تعقد دائما اجتماعات مع زملائها الرجال في ادارات الفروع الأخرى. “قد تكون الحساسية من المرأة موجودة في الماضي قبل أن تدخل المرأة مجال العمل، أما اليوم أعتقد أننا تجاوزنا هذه المرحلة وأصبحت المرأة مشاركة وبقوة واستطاعت أن تخلق واقعا جديدا” وتؤكد “من خلال تجربتي أستطيع أن أقول وبثقة إن المرأة قادرة على عمل الكثير وأن تجعل الآخرين ينظرون إليها بإعجاب”، وهذا ما يؤكده أيضا نجاح هذه السيدات ووصولهن أصلا لهذه المراكز القيادية وإدارتها بنجاح. فهناك ما يستحق التحدي والعمل.