هل أنتي متزوجة .؟... هل أنتي حامل.؟؟ هل تنوين الحمل قريبا ؟
قطع الطريق الناقدون دون وجه حق، أو لمآرب أخرى. هذا هو الحال. الذين جاء حرصهم على قيم الأمومة كحجة ضمن قضية منع المرأة من العمل - أيام كان هناك من يحلم بذلك - ابتذلوا مراجعة قيَم الأمومة إلى أقصى حد، "استخدموها" على وجه الدقة. لاحقا، أصبح من المنبوذ أن تساءل أمومة المرأة العاملة ويعاد تفحصها. "هذا عمل متخلف". حتى لو تم بذهنية مختلفة عن التي كانت تسائل بغرض إقعاد النساء في البيوت. رغم أن هذا هو ما يجب أن يحدث، خاصة في أمة لا تراجع قيمها عادة إلا لأغراض خارجة عن هذه القيم: أن تساءل قيم الأمومة الحالية لدى النساء العاملات، وأن تفحص تفضيلاتهن ودوافعها وإطارها من قوانين العمل والأوضاع الاجتماعية. فضلا عن كون هذه المساءلة موضوعا منبوذا، هو موضوعٌ صعب، لا توجد أرقام كالعادة، ولا سبيل للكتابة عن الموضوع إلا التأمل والانطباع. فليَكن.
قالوا : - الأمهات بإجازة الوضع التي يأخذنها، كدليل على ضعف إنتاجية المرأة المتزوجة، مقارنة بالعزباء.
عموما، شركات القطاع الأهلي تتحقق بعضها من أن المرأة غير متزوجة، أو غير حامل ولا تنوي الحمل قريبا، قبل توظيفها. والموظفات الحكوميات يتحرّين قبل حملهن أن يكون توقيت الولادة لا يوافق الإجازة السنوية، بل "في عز الشغل" كي لا تضيع منهن إجازة الوضع مدفوعة الراتب، ولتبوء زميلاتهن بالعمل. تبدأ القصة إذن منذ الحمل بالطفل الذي يجعل أمه بذاتها حملا ثقيلا على كاهل العمل، والزميلات. قانون العمل يمنح الأم الحامل إجازة لأربعة أسابيع قبل الوضع وستة بعده، وساعة راحة خلال الدوام للأم بعد عودتها من إجازة الوضع. وهذه التسهيلات التي تستكثرها الزميلة في اليوم، تجعل العمل في الواقع عسيرا على الأم التي تحتاج أكثر من هذا بكثير. "نعم. تصوّري!". وماذا ستختار الأم من بين عمل يجعل أمومتها عسيرة، وأمومة تجعل عملها عسيرا؟
إجابة النساء العاملات على هذا السؤال، هي ما تصنع من مراجعة قيم الأمومة في ظل العمل، أمرا ضروريا. لأن ظروف العمل وقوانينه، وندرة الفرص الوظيفية، صنعت بمجملها ثقافة نسائيّة عمالية على استعدادٍ لاتخاذ كل الترتيبات اللازمة... من أجل مواصلة العمل، مهما كلف الأمر. الحلول التي تلجأ إليها الأمهات العاملات تأتي دائما مرتبة بحرص لتبدو شكليا حلولا وسطيّة، منصفة بحق الطفل، مبرّئة الأم من الإهمال، مرضيةً ضميرها لتتمكنَ من الخروج كل يوم براحة إلى العمل. خادمة جيدة، جَدّة متفانية، شقيقة أو خالة أو عمة عند الضرورة، هناك دائما امرأة تجالس الطفل في البيت لتتمكن أمه من الخروج. ما يعتبره ضمير الأم العاملة حلا منصفا ورعاية معقولة للطفل، قد لا يكون في الحقيقة كذلك، لأن ضمير الأم العاملة، لم يعد مرجعا موثوقا، في ظل ثقافة العمل النسائية هذه التي تقول أولا، إن العمل لا يعوّض (لكنها لا تقول إن احتياجات الطفل لا تعوّض)، وثانيا، أن الالتزامات المالية لا تنتظر ولا ترحم، وثالثا، حتى لو لم تكوني محتاجة ماديا، من الغباء أن تأخذي إجازة طويلة من العمل لحضانة طفلك وتتركي كل تلك المدفوعات التي بإمكانكِ أن تحصلي عليها إذا واصلتِ العمل، ورابعا، من قال إن إخراج الرضيع من منزله كل صباح إلى بيت الحاضنة، مؤذ له؟! "هذا هو عند أمي، ما عليه إلا العافية".
قطاع العمل النسائي ينمو ببطء، وثقافة العمل عموما تنمو ببطء أكبر، أما الثقافة العمالية النسائية فـ"متخلفة"، كما هي أعلاه. الضغط الثقافي والواقعي يجعل العمل ضرورة للنساء أكثر فأكثر، وعليه تتركز النقاشات والقرارات والرغبات على خلق المزيد من فرص العمل، والتشبث بها ما أمكن، لكن المقترحات التي تقدّم وترفع من أجل تعديل قوانين العمل وظروفه لتتناسب والالتزام الأمومي تجاه الأطفال، لا تسترعي اهتمام أحد، لأنه أصلا، لا توجد رغبة عند الأمهات العاملات، في التنازل عن قسط من مكاسبهنّ العملية، لصالح أمومتهنّ. لهذا لا تسمعهن يطالبن بوظائفَ يمكن تأديتها من البيت، ولا بوظائف يمكن للأم أن تأخذ منها إجازة طويلة وتعود إليها بعد أعوام، عندما يتجاوز طفلها سن الرضاعة، ولا بأي تسهيلات أخرى لصالح الأمومة. نعم، ستسمع بالتأكيد من يطالب بأجور أفضل، ووظائف أكثر، لكن ليسَ ما سبق، ليس هذا.
أما القانون المستحدث الذي يسمح للأم بالبقاء في البيت قدرما تحتاج على أن تكتفي بربع الراتب فقط، فإنني أود لو عرفت نسبة الأمهات اللواتي استفدنَ من هذا القانون واكتفينَ بربع مرتباتهن، مقابل الأمهات اللواتي عدنَ بعد شهرين ونصف فقط من الوضع، من أجل عيني الراتب الكامل، والرهان هو بالطبع على أن الغلبة للأخيرات. بوضوح: هل هناكَ جَشعٌ ماديّ عند طبقة الأمهات العاملات على حساب أمومتهن؟ هل من المنصف أن تتحمل الأم العاملة من الأعباء المادية ما يجعلها عاجزة عن الانفكاك من ربقة العمل حتى عندما يكون ذلك ضروريا؟ ألا يجب أن تكون الوظائف أكثر مرونة بحيث يمكن تركها والعودة إليها حسب حاجة الأم، دون أن تضطر إلى العض بالنواجذ على عملها؟ أليست ثقافة العمل النسائية بحاجة إلى مراجعة، وقبلها مراجعة قيم الأمومة؟